نزوح جماعي من القصر الكبير وتعبئة استباقية بالعرائش تحسبا لفيضانات جديدة تواصلت، أمس (الاثنين)، عمليات إجلاء سكان القصر الكبير، وإيوائهم بوتيرة متسارعة، في ظل ارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس، واستمرار المخاوف من عودة التساقطات المطرية القوية خلال الأيام المقبلة، ما حول المدينة إلى فضاء شبه فارغ، وفرض توسيع دائرة الاستنفار لتشمل إقليم العرائش بأكمله. ومنذ الثلاثاء الماضي، تشهد القصر الكبير تدخلات ميدانية متواصلة، شاركت فيها القوات المسلحة الملكية والسلطات الإقليمية والوقاية المدنية، لإجلاء الأسر القاطنة بالأحياء المنخفضة والمجاورة لضفاف وادي اللوكوس، الذي استقبل حمولات مائية قياسية خلال الأسابيع الماضية، خاصة بعد بلوغ حقينة سد وادي المخازن نسبة امتلاء قصوى بلغت 100 في المائة، بالتزامن مع علو الموج الذي أعاق التصريف الطبيعي لمياه الأمطار نحو البحر. ميدانيا، جرى تسخير وحدات للإنقاذ والإغاثة تابعة للهندسة العسكرية، مدعومة بزوارق قادرة على الإبحار في المياه الضحلة، إلى جانب غطاسين وعناصر راجلة، اشتغلت، بدقة وانضباط، لإجلاء المواطنين المحاصرين داخل منازلهم، خصوصا بالأحياء الواقعة بمحاذاة شارع التحرير (طريق العرائش). كما دعمت وحدات الوقاية المدنية تلك الجهود، عبر مواكبة عمليات الإجلاء، وتوفير سترات النجاة، وتأمين نقل المتضررين وممتلكاتهم نحو مناطق آمنة. وبالتوازي مع عمليات الإنقاذ، دخلت المدينة مرحلة نزوح جماعي منظم، حيث خصصت السلطات العمومية أزيد من 70 حافلة للنقل المجاني، جرى توجيهها لنقل السكان نحو العرائش وأصيلة وطنجة، في إطار مخطط يهدف إلى تخفيف الضغط عن المدينة، وتفادي أي مخاطر إضافية، فيما أعلن المكتب الوطني للسكك الحديدية عن فتح محطة القطار بالقصر الكبير مجانا في وجه المواطنين، وتحويل القطار إلى شريان رئيسي للإجلاء نحو مختلف مدن المملكة. هذا النزوح الواسع رافقه إغلاق شبه كلي للمدينة، بعدما أعلنت وزارة التجهيز والماء عن انقطاع مؤقت لحركة السير بالطريق الوطنية رقم 1 الرابطة بين سوق الأربعاء والقصر الكبير، والطريق الجهوية 410 بين العرائش والقصر الكبير، نتيجة غمر مياه وادي اللوكوس لجزء من قارعة الطريق. وأوصت الوزارة مستعملي الطريق بسلوك محاور بديلة، مع التأكيد على أن استئناف حركة السير يبقى رهينا بانخفاض منسوب المياه. وفي سياق التدابير الوقائية، تقرر تعليق الدراسة بجميع المؤسسات التعليمية التابعة لمدينة القصر الكبير طيلة الأسبوع الجاري، من الاثنين 2 فبراير إلى السبت 7 فبراير 2026، تنفيذا لتوصيات خلية اليقظة الإقليمية، وحرصا على سلامة التلميذات والتلاميذ والأطر التربوية. كما أعلنت جامعة عبد المالك السعدي عن تعليق جميع الأنشطة البيداغوجية والعلمية بمؤسساتها في طنجة وتطوان والعرائش والحسيمة والقصر الكبير، ابتداء من يوم الاثنين، إلى حين تحسن الأحوال الجوية. وعلى مستوى الدعم المؤسساتي، أعطى جلالة الملك، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة، تعليماته السامية لتعبئة موارد بشرية ولوجيستيكية إضافية، حيث جرى نشر وحدات جديدة من القوات المسلحة الملكية، مدعمة بمعدات وآليات نقل وإيواء، إلى جانب تحليق طائرات مروحية فوق سماء القصر الكبير، في إطار تعزيز الجاهزية لمواجهة أي تطور محتمل للوضع. ولم يقتصر الاستنفار على القصر الكبير وحدها، إذ دخلت العرائش بدورها مرحلة تأهب قصوى، في ظل مخاوف من ارتفاع منسوب مياه نهر اللوكوس خلال الأيام المقبلة. وشرعت السلطات المحلية في إبلاغ سكان عدد من المناطق المحاذية لضفاف النهر بضرورة الاستعداد للإخلاء، من بينها أحياء "النافكو" و"ديور حواتة"، إلى جانب المنطقة الصناعية، كما طلب من عدد من أصحاب المحلات والمطاعم بمنطقة باب الميناء مغادرة مقراتها بشكل احترازي، تفاديا لأي طارئ محتمل. وفي هذا السياق، أكدت جماعة العرائش أنها تتابع عن كثب تطورات الوضع، بتنسيق تام مع لجنة اليقظة الإقليمية، مشيرة إلى تعبئة مختلف الوسائل اللوجستيكية المتاحة لمؤازرة سكان القصر الكبير والتخفيف من آثار هذه الظرفية الاستثنائية. كما تقرر تشييد مخيم لإيواء المتضررين بالمدخل الجنوبي للمدينة، إلى جانب إطلاق حملات تحسيسية واسعة في صفوف قاطني المساكن والمستودعات والمعامل القريبة من وادي اللوكوس، والدعوة إلى الالتزام الصارم بتوجيهات السلطات. بموازاة مع التدخلات الرسمية، برزت مبادرات تضامنية لافتة من طرف فعاليات المجتمع المدني ومواطنين بعدد من المدن المجاورة، خاصة بالعرائش وطنجة، حيث جرى فتح فضاءات للإيواء المؤقت، وتوفير وسائل نقل ومساعدات عينية لفائدة الأسر التي اضطرت لمغادرة منازلها بالقصر الكبير. كما ساهمت جمعيات ومبادرات فردية في مواكبة النازحين والتخفيف من الضغط عن مراكز الإيواء، في تعبير ملموس عن روح التضامن المجتمعي في مواجهة هذه الظرفية الاستثنائية. المختار الرمشي (طنجة)