إخلاء أحياء كاملة واستنفار غير مسبوق وسط خطر ما زال قائما بين ماء يزحف ببطء من كل الجهات، تقف القصر الكبير اليوم محاصرة بالكامل. كل الطرق المؤدية إليها شمالا وجنوبا أُغلقت، وغرقت جل أحيائها تحت السيول، فيما خيم الظلام على شوارعها عقب قطع التيار الكهربائي تفاديا للمخاطر، إذ لم يعد المشهد مجرد آثار تساقطات مطرية عابرة، بل صورة مدينة معزولة، هجرها أغلب سكانها اضطرارا، تاركين خلفهم بيوتا موصدة وذكريات معلقة على أمل العودة، في ظل تحذيرات رسمية من أمطار غزيرة قد تكون أشد قسوة. إعداد: المختار الرمشي/ تصوير (أيت الرموش) بعد أن استبشر سكان القصر الكبير بأمطار الخير التي تهاطلت على المنطقة منذ بداية موسم الشتاء، وعم الفرح فلاحي المنطقة الذين رأوا في التساقطات الأولى وعدا بموسم فلاحي واعد، لم يخطر ببال أحد أن تتحول تلك البدايات المطمئنة إلى نذير أزمة خانقة، إذ بعد أن بدا الحدث طبيعيا ومرحبا به، واصلت الهطول دون انقطاع، وراكمت كميات غير مسبوقة تجاوز معدلها التراكمي 600 مليمتر خلال فترة قصيرة، لتتبدد تدريجيا مشاعر الاطمئنان، ويحل محلها قلق متصاعد مع كل ارتفاع جديد في منسوب وادي اللوكوس. ومع استمرار التساقطات وصدور نشرات إنذارية متتالية تحذر من أمطار قوية، انتقل الوضع من مرحلة الحذر إلى حالة طوارئ فعلية، بعدما بلغ وادي اللوكوس مستويات غير معهودة، وبدأت المياه تقتحم الأحياء السكنية، لينتقل الخطر من ضفاف الوادي إلى قلب المدينة، ويفرض الانتقال من منطق التدبير الاحترازي إلى منطق تدبير الأزمة. الأربعاء الأسود... يوم في الذاكرة منذ الساعات الأولى ليوم الأربعاء الماضي لم يعد الفيضان احتمالا نظريا بالقصر الكبير، بل واقعا يفرض نفسه بقوة، بعد أن زحفت المياه إلى داخل الأحياء المنخفضة، فحولت الأزقة والشوارع إلى مجار موحلة يصعب عبورها. فيما تسربت المياه لداخل منازل متعددة بأحياء باب الواد، السويقة، حي الأندلس المدينة العتيقة... حيث غمرت المياه تدريجيا الأرضيات والأثاث، فيما حاول السكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه وسط ارتباك واضح. في شوارع المدينة، تتداخل أصوات الاستغاثة مع هدير المياه، لتتحرك عناصر الوقاية المدنية رفقة متطوعين من أبناء المدينة في سباق مع الوقت بين الأزقة الغارقة لانتشال مسنين وأطفال حاصرتهم المياه داخل بيوتهم، ومساعدة التجار على إفراغ محلاتهم من محتوياتها، بينما قضت أسر ساعات طويلة في العراء، تراقب بقلق ارتفاع منسوب المياه دون أن تعرف إلى متى سيستمر هذا الوضع. مع مرور الساعات، تأكد أن ما تعيشه القصر الكبير يتجاوز حادثا عابرا، بل امتحانا قاسيا لمسؤولي المدينة، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة مباشرة مع قوة الماء، التي دخلت المدينة تدريجيا دون مهلة لالتقاط الأنفاس، وتحولت إلى إحساس جماعي بالعجز أمام قوة طبيعية تفرض إيقاعها، وتضع المدينة وسكانها في مواجهة مفتوحة مع المجهول. سباق مع الزمن لإنقاذ العالقين في مواجهة هذا الوضع المتسارع، تحولت القصر الكبير إلى مسرح لعمليات إنقاذ متواصلة، حيث انتشرت فرق الوقاية المدنية منذ الساعات الأولى للأزمة في عدد من النقاط الحساسة، مدعومة بمتطوعين من أبناء المدينة، في محاولة للوصول إلى الأسر التي تعذر عليها مغادرة منازلها في الوقت المناسب، إلا أن تحركاتهم كانت تتم وسط صعوبات كبيرة، بفعل قوة التيارات المائية وضيق الأزقة، ما جعل تدخلاتهم تتم في حذر وتنسيق ميداني دقيق لتفادي أي خسائر في الأرواح. في عدد من الأحياء، استخدمت القوارب المطاطية والقصديرية لعبور المساحات المغمورة، بينما استعملت وسائل بدائية في نقاط أخرى، من الجرارات الفلاحية والعربات المجرورة بالأحصنة لنقل العالقين ومساعدتهم على الوصول إلى أماكن أكثر أمانا. فالمشهد رغم قسوته يكشف عن أشكال تضامن لافتة، حيث تطوع مئات الشباب لمساندة فرق الإنقاذ، وقاموا بحمل الأطفال والمسنين على ظهورهم، في سباق صامت مع ارتفاع منسوب المياه. ومع تواصل التدخلات، اتضح أن حجم المسؤولية الملقاة على المتدخلين، لم تقتصر على الإجلاء فقط، بل شملت تقديم إسعافات أولية، وطمأنة أسر تعيش لحظات خوف حقيقي، في انتظار حلول أوسع لتطويق الأزمة وتفادي مأساة أكبر. شلل المرافق الحيوية في خضم هذه الأوضاع الاستثنائية، شلت أهم القطاعات الحيوية بالمدينة، حيث تقرر تعليق الدراسة بجميع المؤسسات التعليمية التابعة لمدينة القصر الكبير طيلة الأسبوع، من اليوم إلى السبت المقبل، تنفيذا لتوصيات خلية اليقظة الإقليمية وبتنسيق مع السلطات المحلية، تفاديا لأي مخاطر قد تهدد سلامة التلاميذ والأطر التربوية. وبالموازاة مع ذلك، اضطر المستشفى المركزي بالمدينة إلى الإغلاق بعد أن غمرته مياه الأمطار، ما استدعى إجلاء المرضى وتوزيعهم على مراكز صحية أقل خطورة، مع ضمان استمرار التكفل بالحالات المستعجلة وحالات الولادة، في ظل وضع صحي دقيق يعكس حجم الشلل الذي طال المرافق الأساسية بالمدينة. مهلة لحصر الخسائر وانتظار ما هو قادم بعد فترة هدأت فيها الاضطرابات الجوية نسبيا وخفت خلالها حدة التساقطات، خرج سكان القصر الكبير من حالة الذهول الأولى إلى محاولة استيعاب ما جرى، حيث انهمك سكان الأحياء التي اجتاحتها السيول في حصر الخسائر وترتيب ما يمكن ترتيبه داخل بيوت أنهكها الماء، أفرشة مبللة، واثاث وأجهزة لم تعد صالحة للاستعمال، في حين وقف التجار أمام محلاتهم في صمت ثقيل، يحدقون في آثار الدمار، وكأن المدينة بأكملها توقفت عند لحظة واحدة، تحاول أن تفهم كيف انقلبت أيام ممطرة من نعمة منتظرة إلى عبء ثقيل. غير أن توالي المعطيات الجوية وتطور التوقعات المناخية، التي تحدثت عن تساقطات غزيرة تتراوح كمياتها بين 90 مليمترا و120 ، وروافد مائية قد ترفع منسوب وادي اللوكوس إلى مستويات غير مطمئنة، ساهمت في تصاعد الإحساس بأن القادم قد يكون أعنف من كل ما عاشته المدينة في الأيام الماضية. وأمام هذا السيناريو المخيف، أعلنت السلطات حالة تأهب قصوى، ودخلت مختلف المصالح المعنية مرحلة استعداد استثنائي، انتقلت فيها من تدبير آثار فيضان وقع، إلى مواجهة خطر داهم لم يصل بعد، لكنها تلوح ملامحه بوضوح في سماء مدينة لم تعد تحتمل مزيدا من الماء. السلطات تطلب من السكان المغادرة في سياق هذه التطورات، سارعت السلطات الإقليمية بالعرائش، في ساعة متأخرة من مساء الخميس الماضي، بإصدار قرار وصف بالاستعجالي لحماية الأرواح وضمان سلامة السكان، يقضي بإخلاء عاجل وفوري لسكان عدد واسع من أحياء المدينة، تنفيذا لتوصيات خلية الأزمة التي يرأسها عامل الإقليم. واتخذ هذا الإجراء تحت ضغط التوقعات الجوية المقلقة، وتفاديا لأي خطر محتمل قد تفرضه تطورات الوضع. ويشمل هذا الإجراء الوقائي أحياءً بكاملها، من بينها المدينة العتيقة وتجزئات الضحى والشروق وسيدي الكامل، إلى جانب مناطق عزيب الرفاعي وخندق شويخ ومحفر حزان، وكذا أحياء البوعناني والأندلس وأولاد أحمايد المعروفة بـ “الهوتة"... حيث وجهت نداءات عاجلة إلى السكان من أجل مغادرة منازلهم في أقرب وقت ممكن، في مشهد يعكس حجم القلق الذي بات يخيم على المدينة. وفي هذا السياق، شددت السلطات المحلية على ضرورة التحلي بأقصى درجات الحيطة والحذر، والتجاوب الكامل مع تعليمات أعوان السلطة ومختلف المصالح المعنية، من أجل إنجاح عملية الإخلاء وضمان مرورها في ظروف آمنة ومنظمة، إذ يؤكد هذا القرار الثقيل أن القصر الكبير لم تعد تواجه فقط آثار فيضان وقع، بل خطرا داهما لم يصل بعد، ما يفرض الانتقال من منطق التحذير إلى منطق المغادرة الفعلية، في انتظار ما ستسفر عنه الساعات المقبلة. تعليمات ملكية بتدخل الجيش مع اتساع رقعة الإخلاء وارتفاع عدد الأسر التي اضطرت لمغادرة منازلها، شرعت القوات المسلحة الملكية، بتنسيق مع السلطات المدنية، في نصب خيام ومخيمات إيواء مؤقتة بمدينة القصر الكبير، من أجل استقبال النازحين وتوفير ملاذات آمنة لهم بعيدا عن المناطق المهددة بالفيضانات. هذه العملية اللوجستيكية جاءت لتعزيز الطاقة الاستيعابية لمراكز الإيواء، خاصة لفائدة الأسر التي لم تتمكن من الالتحاق بمنازل أقاربها خارج مناطق الخطر، في ظل توقعات باستمرار الاضطرابات الجوية خلال الأيام المقبلة. وترافق عملية إقامة هذه المخيمات إجراءات أمنية وتنظيمية دقيقة، همت تأمين محيطها، وضمان انسيابية ولوج النازحين، وتنظيم عمليات التكفل بهم، بما يسمح بتفادي أي ارتباك أو مخاطر إضافية. كما تعمل فرق ميدانية متخصصة على تجهيز الخيام بالمستلزمات الأساسية، في خطوة استباقية تراعي احتمال طول أمد الأزمة أو تعقد شروط العودة إلى المنازل، إذا ما استمرت التساقطات أو ارتفع منسوب المياه مجددا. ومع تفاقم الوضع الهيدروليكي بالقصر الكبير، عززت القيادة العليا للدرك الملكي حضورها الميداني، عبر إرسال تعزيزات بشرية ولوجستية لإسناد السلطات المحلية وباقي القوات العمومية في مواجهة ارتفاع منسوب وادي اللوكوس. هذا الانتشار رافقه تسخير وسائل تقنية متطورة، من بينها طائرات مسيرة تولت مهام المراقبة الجوية لمجرى الوادي وروافده، ورصد النقاط التي يصعب الوصول إليها، وتوجيه فرق التدخل الأرضي في ظروف طبعتها الظلمة وصعوبة المسالك. وعلى الأرض، نشرت وحدات الدرك الملكي شاحنات تكتيكية وزوارق مطاطية وقوارب سريعة، باشرت تمشيط الأحياء الغارقة والدواوير المعزولة بالحزام الأخضر للمدينة، في إطار تنسيق ميداني وثيق مع القوات المسلحة الملكية وباقي المتدخلين. كما جرى إحداث مركز قيادة متقدم لتتبع تطورات الوضع بشكل متواصل، مع وضع مختلف الوسائل، بما فيها المروحيات، في حالة جاهزية قصوى تحسبا لأي تدخل عاجل لإجلاء العالقين. دعوات بإعلان "مدينة منكوبة" مع اتساع رقعة الأضرار وانتظار الأسوأ، تتعالى أصوات مدنية ونقابية مطالِبة بإعلان القصر الكبير مدينة منكوبة، معتبرة أن حجم الخسائر تجاوز بكثير قدرات التدبير المحلي. وفي هذا السياق، دعت المنظمة الديمقراطية للشغل الحكومة إلى التدخل العاجل، مؤكدة أن ما يعيشه السكان لم يعد مجرد أزمة ظرفية، بل وضع كارثي مس الممتلكات ومصادر عيش آلاف الأسر، ويستوجب تفعيل الآليات القانونية المرتبطة بالكوارث الطبيعية، وعلى رأسها صندوق مكافحة آثارها، إلى جانب تخصيص ميزانية استثنائية لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل البنيات التحتية، ودعم الفلاحين الصغار والعمال الذين فقدوا وسائل عيشهم. وبدورها، طالبت هيأة المحامين بطنجة بالإسراع في إعلان مدينة القصر الكبير منطقة منكوبة، معتبرة أن الفيضانات كشفت مجددا هشاشة البنى التحتية واستمرار منطق التهميش المجالي.