أضحك أجيالا ومازال حاضرا بقفشاته الخالدة لا يمكن الحديث عن الكوميديا المغربية دون استحضار اسم الراحل عبد الرحيم التونسي المعروف باسم "عبد الرؤوف". فنان غيبه الموت خلال الأيام الأولى من 2023، بعدما نجح ببذلته البسيطة وصوته المميز في الوصول إلى الجمهور المغربي، ليتحول بعد ذلك إلى رمز للبهجة والضحك العفوي. انتزع "أبو ضحكة جنان" المغربي، الابتسامة من وجوه المغاربة، كبارا وصغارا، بأسلوبه الساخر اللطيف الذي يجمع بين البراءة والذكاء الشعبي، فرغم رحيله عن عالمنا، مازالت شخصيته حاضرة في ذاكرة جمهور يستشهد بقفشاته الخالدة التي تجاوزت الزمن. أضحك "عبد الرؤوف" أجيالا، ومازالت اليوم فيديوهاته تتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد كان يتطرق إلى مواضيع ساخنة لكن بطريقة ساخرة وتمثيلياته الهزلية لتخرج ضحكات الجمهور. لكن قبل وفاته، كانت شائعات الموت تلاحقه في كل مرة، سيما بعدما تدهورت حالته الصحية، وصار طريح الفراش، وهو ما كان يزعجه، وتضطر عائلته إلى الخروج عن صمتها لتؤكد أنه مازال على قيد الحياة، إلى أن تأكد الخبر، وغادر الحياة تاركا رصيدا فنيا مهما واسما راسخا في الساحة الفنية والفكاهية. ولد عبد الرؤوف خلال 1936 في المدينة القديمة بالبيضاء، وهناك عاش طفولة مختلفة طبعها الحزن المبكر بعد فقدان والدته وهو لم يتجاوز الثالثة من عمره. تابع دراسته إلى أن قادته قناعاته الوطنية إلى الانخراط في صفوف الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، فكان نصيبه الاعتقال والتعذيب، قبل أن يفرج عنه عقب استقلال المغرب. بعد خروجه، اشتغل في مصنع للسيارات، لكن العمل الشاق ترك أثره على صحته، فقرر أن يغير مسار حياته متجها نحو عالم المسرح، وفي تلك الفترة ولدت شخصية "عبد الرؤوف" ببساطتها وسذاجتها وطيبوبتها، لتصبح علامته الفارقة وشخصيته الثانية التي التصقت به إلى أن فارق الحياة. رغم أن عبد الرؤوف أضحك المغاربة لسنوات طويلة، كان يخفي خلف ضحكته و"براءة" شخصيته، جراحا جسدية ونفسية تركها الاعتقال خلال 1954، حين قضى شهرا كاملا تحت التعذيب قبل نقله إلى السجن، إذ خلال تلك الفترة، أصيب بإصابة في الرأس وبمرض الربو نتيجة ظروف الاحتجاز القاسية من برد وسهر وتعذيب متواصل. وبعدما حصل المغرب على استقلاله، واصل عبد الرؤوف مساره الفني بإصرار، فقدم عشرات الأعمال الكوميدية التي نقلت عبر الإذاعة والتلفزيون وعلى الأشرطة الصوتية، وظل اسمه مرتبطا بالضحك والبساطة لعقود طويلة. غير أن سنواته الأخيرة حملت مرارة التهميش والنسيان، بعدما أغلقت في وجهه أبواب التلفزيون والظهور الإعلامي، ليتوارى تدريجيا عن الأضواء رغم ما قدمه من إرث فني خالد في ذاكرة المغاربة. إيمان رضيف