عاشق القصص البوليسية الذي حقق حلم الطفولة في أحد أحياء تارودانت العتيقة، وعلى مقربة من الجامع الكبير، المسجد الأعظم الذي ظل شاهدا على تعاقب الأجيال وحكايات الناس، أبصر محمد بوريسا النور يوم السابع من مارس 1964، هناك تشكلت ملامح طفولته الأولى، بين أزقة المدينة وأسوارها التاريخية، حيث كان الطفل الصغير يراقب حركة الناس ويصنع أحلامه البسيطة التي ستكبر معه عاما بعد عام، حتى تتحول إلى مسار حياة كامل. تلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة الوفاق، قبل أن ينتقل إلى إعدادية الحسن الأول، ثم إلى ثانوية بنسليمان الروداني، حيث واصل دراسته وسط طموحات متعددة ورغبة دائمة في اكتشاف العالم. وبعد ذلك التحق بمعهد التكوين المهني، حيث تلقى تكوينات في مجالات الميكانيك والإعلاميات والمحاسبة، وهي تخصصات فتحت أمامه آفاقا مختلفة، غير أن قلبه ظل معلقا بحلم آخر كان يرافقه منذ الصغر. حلم الطفولة فمنذ نعومة أظافره، كان محمد بوريسا شغوفا بالقصص البوليسية وأفلام المغامرات والتحري، كان يقضي ساعات طويلة في المطالعة، يتتبع حكايات المحققين ورجال الأمن الذين يسهرون على حماية المجتمع وكشف الغموض، وبين صفحات الكتب وأشرطة الأفلام، بدأت صورة رجل الأمن تتشكل في مخيلته، وإلى جانب ذلك، لم يكن يبتعد كثيراعن ملاعب الأحياء، حيث كان يداعب كرة القدم مع أبناء الحي، مستمتعا بطفولة بسيطة صنعت الكثير من الذكريات الجميلة. غير أن اللحظة التي رسخت في داخله حب مهنة الشرطة لم تأت من كتاب أو فيلم، بل من موقف إنساني بسيط ظل عالقا في ذاكرته إلى اليوم، ففي 1980، وبينما كان يستعد لاجتياز إحدى المباريات، احتاج إلى شهادة السكنى، توجه يوم سبت إلى مفوضية الشرطة، رغم أن اليوم كان يوم عطلة، وهناك فوجئ بأحد رجال الأمن يستقبله بحفاوة وترحاب، ويهتم بقضيته رغم أن الأمر لم يكن ضمن اختصاصه المباشر، أنجز له الوثيقة المطلوبة بابتسامة وتفان، تاركا في نفسه أثرا عميقا ونظرة إيجابية تجاه جهاز الأمن. وتكرر الأمر لاحقا أثناء استكمال إجراءات الحصول على البطاقة الوطنية للتعريف، فقد وجد رجال أمن يتعاملون معه بوجه بشوش وروح خدمة عالية، يساعدونه على إتمام مساطره الإدارية بكل سلاسة واحترام، كانت تلك المواقف الإنسانية البسيطة أقوى من أي خطاب أو درس، إذ زرعت داخله قناعة راسخة بأن رجل الأمن ليس مجرد موظف يؤدي واجبه، بل هو أيضا صورة للدولة وقيمة إنسانية في خدمة المواطن. من هنا بدأ الحلم يتحول إلى مشروع حياة، اجتاز الامتحان الكتابي بأكادير، ثم اختبارات الشفوي والرياضة بالرباط، ليتمكن بعد ذلك من الالتحاق بأكاديمية الشرطة بالقنيطرة يوم 21 نونبر 1981 ضمن الفوج العاشر للمفتشين. وهناك خضع لتكوين شاق دام ثلاثة عشر شهرا بالمعهد الملكي للشرطة، تعلم خلاله الانضباط والمسؤولية وأسس العمل الأمني، ليقترب أكثر من تحقيق حلم الطفولة. العودة إلى تارودانت وعندما عاد إلى تارودانت بعد التخرج، شعر بأن الدائرة قد اكتملت، فقد عاد هذه المرة بصفته مفتش شرطة يحمل على عاتقه مسؤولية خدمة المدينة التي ولد وترعرع فيها، كان ذلك بالنسبة إليه لحظة استثنائية اختلطت فيها مشاعر الفخر بالامتنان، بعدما تحول الحلم الذي راوده طفلا إلى حقيقة ملموسة. بدأ مساره المهني بمصلحة الاستعلامات العامة بمفوضية الشرطة بتارودانت، قبل أن يشتغل في عدد من المصالح والمرافق الإدارية المختلفة، من بينها مصلحة الأجانب ومراقبة الأماكن العمومية، ومع مرور السنوات، راكم تجربة ميدانية وإدارية واسعة، أهلته للتدرج في المسؤوليات والرتب، من مفتش شرطة إلى عميد شرطة. وخلال مساره المهني، عايش العديد من الأحداث الأمنية البارزة التي طبعت ذاكرة المدينة، من بينها مرحلة ما عرف بـ"سفاح تارودانت"، وهي قضية استدعت تعبئة كبيرة وجهودا ميدانية مكثفة من مختلف الأجهزة الأمنية، ويتذكر بوريسا تلك الفترة باعتبارها واحدة من أكثر المحطات حساسية في مساره، حيث تطلبت عملا متواصلا وتحريات دقيقة ومتابعة يومية للأبحاث الميدانية. ولم يقتصر عطاؤه على العمل الميداني فقط، بل انتقل بعد ذلك إلى ديوان رئيس الأمن الإقليمي، حيث اشتغل كاتبا للديوان، قبل أن يصبح رئيسا له خلال فترة المسؤول الأمني عبد اللطيف مؤدب، وهناك أبان عن كفاءة كبيرة في تدبير الملفات الإدارية والتنسيق بين مختلف المصالح، مستفيدا من خبرة طويلة راكمها في الميدان. كما خاض تجربة أخرى متميزة رئيسا لمصلحة نظم المعلومات والمواصلات، وهي محطة عكست قدرته على مواكبة التحولات التقنية والإدارية التي عرفها العمل الأمني خلال العقود الأخيرة، مؤكدا أن رجل الأمن الناجح هو الذي يطور نفسه باستمرار ويواكب متطلبات العصر. رجل الأمن الجمعوي لكن قصة العطاء لم تتوقف عند المهام الأمنية، ففي 2005 تم اختياره أمينا للجنة المحلية للتعاضدية العامة لموظفي الأمن الوطني، وهي مسؤولية استمر في تحملها إلى غاية إحالته على التقاعد سنة 2024، وخلال هذه المهمة الإنسانية، استقبل ملفات المرضى والمتقاعدين والأرامل وذوي الحقوق، وساهم في مواكبة أوضاعهم الاجتماعية والإدارية، واضعا خبرته وعلاقاته في خدمة زملائه وأسرهم. كما انتخب مندوبا لمنخرطي التعاضدية الخاصة بالأمن الوطني، وظل قريبا من انشغالات رجال الأمن والمتقاعدين، مؤمنا بأن التضامن بين أفراد الأسرة الأمنية لا يقل أهمية عن الواجب المهني نفسه. وفي سابع مارس 2024، تزامنا مع عيد ميلاده الستين، طوى محمد بوريسا صفحة طويلة من العمل الوظيفي، وأحيل على التقاعد بعد مسيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود ونصف، غير أن التقاعد بالنسبة إليه لم يكن نهاية الطريق، بل محطة للتأمل في رحلة حافلة بالعطاء والذكريات والإنجازات، والتفكير في الاستمرار في العمل الجمعوي عبر الالتحاق بجمعية الانبعاث لمتقاعدي الأمن الوطني بأكادير. إنها قصة رجل آمن منذ طفولته بأن خدمة الوطن شرف، فحول إعجابه برجال الشرطة إلى مسار مهني كامل، وترك خلفه سيرة عنوانها الوفاء والانضباط والإنسانية، وبين الطفل الذي كان يقرأ القصص البوليسية في أزقة تارودانت، ورجل الأمن الذي غادر المهنة مرفوع الرأس بعد خمسة وثلاثين عاما من الخدمة، تمتد حكاية جيل كامل من الرجال الذين اختاروا أن يكونوا في خدمة الوطن والمواطن. عبد الجليل شاهي (أكادير)