آخر من صدق أن السياسة يمكن أن تكون نظيفة لم يكن عبد الرحيم بوعبيد مجرد سياسي عابر في سجل التاريخ المغربي، ولا مجرد أصغر الموقعين على وثيقة الاستقلال، بل كان واحدا من أولئك الذين صاغوا ملامح وطن من رحم المخاض، وأعطوا للنضال معنى يتجاوز الشعارات، إذ عاش حياته مؤمنا أن الحرية ليست هبة من أحد، بل ثمرة وعي وإصرار وإيمان بقدرة الإنسان على كتابة مصيره. ولد بوعبيد، في زمن كانت فيه البلاد تتلمس طريقها وسط عتمة الحماية والاستعمار، بروح متمردة تكره الخضوع وتؤمن بالعقل سبيلا للتحرر، ففي السابعة عشرة من عمره، انخرط في العمل السياسي في 1939، شابا متقد الفكر، لا يغريه الاندفاع ولا تغويه الخطابات الحماسية، ومنذ بداياته، كان يملك ما يشبه "حاسة المسؤرولية" بعقل يخطط للمستقبل، وقلب يخفق بحب الوطن. ولم يكن بوعبيد غاضبا من واقع مستعمر فقط، بل كان منضبطا في غضبه، يحوله إلى رؤية، وعندما شارك لاحقا في صياغة بيان الاستقلال، لم يكن ذلك مجرد توقيع شاب طموح، بل فعل رجل يعي معنى أن يولد الوطن من جديد. لذلك كان أحد مهندسي الوثيقة، وصوتا بين جيل كتب للحرية بيانها الأول. لكن التاريخ، كما عرفه بوعبيد، لم يكن يرحم المتحمسين، فكانت مرحلة الاستقلال أكثر قسوة من زمن الاحتلال، لأن بناء الدولة تطلب من الجيل المؤسس أن يتحول من حلم الثورة إلى واقعية الحكم، حينها برزت قوة بوعبيد الذي لم يتخل عن مثاليته، لكنه لم يسقط في مثالية العجز، وظل مؤمنا بأن المعارضة ليست عائقا أمام الدولة، بل صمام أمانها الأخلاقي. ومن موقعه أحد مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم زعيما للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، صنع بوعبيد مدرسة سياسية كاملة في فهم الدولة من داخلها، ومساءلتها من خارجها، إذ لم يكن يساريا بالصيغة الجامدة، بل وطنيا عقلانيا يرى في العدالة الاجتماعية جوهر الوطنية، لا شعارها. الذين عرفوه يقولون إنه كان يعيش التناقض الإنساني بشجاعة، فهو صارم في المبدأ، ومتسامح في النقاش، وديموقراطي بالفطرة، وصامت حين يعلو الصخب، إذ لم يكن بحاجة إلى ضوء الكاميرا ليقول رأيه، لأن الكلمة عنده التزام، وليست استعراضا. واليوم، حين يستعاد اسمه في ذاكرة السياسة المغربية، يستعاد أيضا سؤال مرير: ماذا بقي من مدرسة بوعبيد؟ ففي مشهد يساري ممزق بين البراغماتية العقيمة والمبدئية المنعزلة، يبدو إرث عبد الرحيم بوعبيد أكثر من مجرد ذكرى... إنه مرآة تضع أمام اليسار صورته الحالية، بلا مساحيق. لا يستدعى بوعبيد لأنه مفقود فحسب، بل لأن ما مثله لا يزال مفقودا حتى اليوم، إذ جمع بين الأخلاق والسياسة، وبين الفكر والدولة، وبين الحلم والموقف، وكان من طينة القادة الذين لا يطلبون المجد لأنفسهم، بل للبلاد التي أحبوها حتى آخر لحظة من الصمت. خالد العطاوي