بوبرية يقدم قراءة في الخطاب الملكي ويكشف توجيهاته ورسائله ذ. عبد الواحد بوبرية (*) وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم الجمعة 10 أكتوبر 2025، عصرا، خطابا ساميا لأعضاء مجلسي النواب والمستشارين، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة. خطاب يأتي والعديد من مدن المملكة تعرف حراكا اجتماعيا يقوده "جيل زيد"، ضدا على سياسة الحكومة خاصة في شقها المتعلق بالسياسة الاجتماعية. البرامج الاجتماعية ضمن المشاريع الكبرى كما هي العادة فخطب الملك تستأثر باهتمام كل شرائح المجتمع، لأنها توجه السياسات العامة للبلاد. ولكن هذا الخطاب له طعم خاص، لأن إلقاءه جاء في ظرفية خاصة. كل المغاربة يترقبون فحواه، وينتظرون منه أن يجيب على الحراك ومطالب "جيل زيد"، متناسين أنه خطاب دستوري، سياقه افتتاح دورة من السنة التشريعية، مرجعه دستور المملكة. ليفتتحه جلالته بحضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين. وهو تأكيد على أن الخطاب موجه لنواب الأمة، احتراما وانسجاما لما يقرره دستور المملكة في توزيع الأدوار بين المؤسسة الملكية وباقي المؤسسات الدستورية خاصة في الفصل 42، وهو ما يبين أن خطب الملك ذات طابع توجيهي، واعتبارها خريطة طريق لبناء السياسات العمومية. خاطب البرلمانيين بالمزيد من تدعيم الوحدة الوطنية باستكمال وحدتنا الترابية، عبر الاختيارات التي تقوم عليها، مشيدا بالمجهودات التي تبذلها المؤسسة التشريعية للارتقاء بالدبلوماسية الحزبية والبرلمانية، وأوصى بالمزيد من الاجتهاد والفعالية لضمان الاندماج الإيجابي لصحرائنا. واعتبارا لأنه لا جدوى من التنمية ما لم يكن المواطن هدفها وأداة لإنجازها (الميثاق الوطني لإعداد التراب). ولبلورة هذه المقولة على أرض الواقع، فإن جلالته دعا إلى تأطير المواطنين، وشرح المبادرات التي تتخذها السلطات العمومية والتعريف بها، وإبراز مختلف القوانين والقرارات التي تخص حقوق وواجبات المواطنين وحرياتهم. واعتبرها مسؤولية مشتركة بين الدولة والبرلمان والأحزاب السياسية والمنتخبين ووسائل الإعلام وفعاليات المجتمع المدني وكل القوى الحية للبلاد. ولن يتأتى ذلك، من وجهة نظري، إلا في إطار الحكامة الجيدة. وحث جلالة الملك في هذا الصدد البرلمانيين على الترافع عن قضايا المواطنين، وجعل من البرامج الاجتماعية ضمن المشاريع الوطنية الكبرى (مقتطف من الخطاب موجه للمواطنين عبر أعضاء البرلمان) لتنمية البلاد وتحسين ظروف عيش العباد. وفي الشق الثاني من الخطاب الملكي السامي، ذكر جلالته بخطاب العرش الأخير في 30 يوليوز 2025، والذي دعا فيه جلالته إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية. هذه الكلمة الثقيلة والتي تحمل في طياتها الكثير من المعاني والسياسات والتوجهات والإستراتيجيات. ويقصد بالتنمية الترابية في معناها البسيط، تنمية ترتكز على تعبئة الموارد المحلية التي تميز خصوصيات كل مجال، وبالتالي بناء المشروع الترابي، حيث يقتضي الانطلاق مما نتوفر عليه من موارد محلية والتي بعد تعبئتها تتحول لموارد ترابية. ونحن في بلد كالمغرب بموقعه الاستراتيجي، وهبه الله هذه الميزة، التنوع والتعدد في مجالاته (السهول الصحراوية، الواحة، الجبل، الساحل والبحر، الهضاب السهوبية...إلخ). هي مجالات وردت في التوجهات المجالية الكبرى في كتاب الميثاق الوطني لإعداد التراب. وفي هذا الصدد أكد جلالته على ضرورة إعداد برامج التنمية الترابية في إطار علاقات متبادلة بين الأرياف والمدن (المجالات الحضرية ونظيراتها القروية)، ودعم وتشجيع المبادرات المحلية، لتكون هناك استفادة الجميع من ثمار النمو. وهذا سيوفر فرص الشغل للشباب، وسيسهم في تطوير وتحسين وتأهيل القطاعات الاجتماعية الحيوية من تعليم وصحة، باعتبارهما قطاعين حيويين وضروريين للمواطنين في كل أنحاء البلاد. إن نجاح برامج التنمية الترابية سيخلق العدالة الاجتماعية، ويقلص من الفوارق المجالية، وهو توجه إستراتيجي يحكم منطق مختلف السياسات التنموية في البلاد. التنمية المحلية مقياس لتقدم المغرب اعتبر جلالة الملك، أن التنمية المحلية هي عبارة عن مرآة تعكس مدى تقدم المغرب. واستحضر جلالته، مصطلح التنمية المحلية، ولم يتحدث عن التنمية الترابية أو التنمية المستدامة أو غيرهما من مصطلحات التنمية. ولكنه اقتصر على مفهوم التنمية المحلية وهذا يعني أن كل مصطلح يعني ما يعنيه، وحينما استعمل التنمية المحلية قياسا لتقدم المغرب، فيمكن بها أن نقيس تقدم وتطور الدوار، ومركز الجماعة والمدينة الصغيرة والمتوسطة والكبيرة والجهة والبلاد. التنمية المحلية هي مقياس التقدم والرفاهية وعلى أساسها تَشكل الحراك المجتمعي. فالتنمية المحلية تقتضي من الحيز الترابي وفرة في الطرقات والماء الصالح للشرب والكهرباء، وإشباعا في الخدمات الاجتماعية (الصحة والتعليم)، وتقريب الإدارة من المواطنين، والعيش الكريم. بمعنى تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية وتثبيت المواطن في ترابه وأرضه. ولضمان تحقيق التنمية الترابية، وبناء على توجيهات الخطاب الملكي السامي لعيد العرش الأخير، استند جلالته على مرتكزات أساسية: أولا: إعطاء عناية خاصة للمناطق الأكثر هشاشة، واستحضر جلالته المناطق الجبلية والواحات باعتبارهما معا تشكلان ثلث مساحة البلاد. وتعرف هذه المجالات الهشة والهامشية خصاصا على مستوى البنيات والتجهيزات الطرقية، وقصورا وظيفيا في الخدمات الاجتماعية (التعليم والصحة)، وتفرض على الدولة والمنتخبين والمجتمع المدني إضفاء طابع المصلحة الوطنية عليها، وتستلزم التوفيق بين النجاعة الاقتصادية وضرورة الحفاظ على التوازنات البيئية. وفي هذا الصدد أكد جلالته أنه لا يمكن تحقيق التنمية الترابية بدون تكامل وتضامن فعلي بين المناطق والجهات و الجماعات ، اعتبارا لحدة التباينات المجالية والاجتماعية للتنمية، وبالنظر إلى تفاوت أو انعدام موارد التنمية الذاتية بين المجالات. ثانيا: أكد جلالة الملك، التفعيل الأمثل وإيجاد آليات التنمية المستدامة للسواحل الوطنية، إذ أن المغرب يتوفر على واجهتين بحريتين (3500 كيلومتر)، وما يزيد عن مليون كيلومتر مربع من المياه الإقليمية الغنية بشتى الثروات البحرية. وما ينتج عن الساحل والبحر من علاقات دولية، وخلق فرص الشغل في إطار الدينامية التي تعرفها السواحل اقتصاديا ومجاليا وبشريا. كل ذلك أدى إلى تنامي الضغط على النطاقات الساحلية وتهديد حقيقي لموارده الطبيعية. ليتوجه جلالته إلى برلمانيي الأمة، للتأكيد على ضرورة تفعيل القانون المتعلق بالساحل، والمخطط الوطني له. وكل ذلك سيكون بمثابة مرجعية إلزامية لمختلف المتدخلين من قطاع عمومي وجماعات ترابية وقطاع خاص. ثالثا: دعا جلالته إلى توسيع نطاق برنامج المراكز القروية الناشئة، وهذا سيؤهلها للقيام بدور فعال وأساسي في تنظيم محيطها، وصلة وصل مع المدن المتوسطة والكبيرة. فهذه المراكز الناشئة ستشكل آلية لتدبير التوسع الحضري، وحلقة فعالة، كما أكد جلالته، في تقريب الخدمات الإدارية والاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، عبر إنشاء مناطق لمختلف الأنشطة وتدعيم البنيات التحتية وتحسين الخدمات الاجتماعية وهو ما سيكون له الأثر الإيجابي في استقرار السكان في أماكنهم وعدم التفكير في تركها وهجرتها. إن الخطاب الملكي السامي الموجه لنواب الأمة دستوريا، نعتبره خطابا موجها للأمة ولكن عبر مؤسسة البرلمان عملا بمقتضيات دستور المملكة، الذي صادق عليه الشعب المغربي سنة 2011. وختمه لهذا الخطاب بالآية الكريمة " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" يعكس التوجه الديمقراطي للملكية واستحضارها لمعيارين أساسين في الحكامة الجيدة، المسؤولية والمحاسبة. (*) أستاذ التعليم العالي تخصص الجغرافيا وإعداد التراب نائب عميد الكلية متعددة التخصصات في التكوين