بقلم: ذ. كمال الهشومي (*) إن الاحتجاج في جوهره ليس مجرد آلية للتعبير عن الغضب أو المطالب، بل هو تجلٍ لوعي جماعي وقيمة إنسانية متجذرة في تاريخ البشرية. فالاحتجاج قاعدة أممية، وامتداد طبيعي لتطور الوعي السياسي والاجتماعي، ومن رحم هذا الفعل الجماعي وُلدت الديمقراطيات وترسخت أسس المواطنة. لذلك لا يمكن اختزاله أو تهميشه، لأنه يعكس أرقى صور انخراط الفرد في قضاياه العامة، ويؤكد أن المجتمع يمتلك حسا نقديا وقيما أخلاقية تحركه نحو الإصلاح. المشرّع المغربي التقط هذه الحقيقة مبكرا عبر ظهير الحريات العامة لسنة 1958، وتدرج بها عبر محطات دستورية متعاقبة، وصولا إلى دستور 2011 الذي لم يتعامل مع الحق في التظاهر منحة ظرفية، بل أقرّه حقا أصيلا وكونيا مرتبطا بجوهر المواطنة الديمقراطية. الدستور لم يكتفِ بإعلان الحق، بل ربطه بقيم المسؤولية المجتمعية : فالتظاهر فضاء مشروع لإيصال الصوت، لكن في حدود ما يصون السلم، وما يحفظ الكرامة، وما يحمي الممتلكات الخاصة والعامة. إن ترسيخ ثقافة الاحتجاج هو دليل على وجود الدولة الحديثة بمفهومها الدستوري. فالدولة التي تفتح المجال للاحتجاج السلمي لا تتنازل عن سيادتها، وإنما تعمّق مشروعيتها وتؤكد نضج مؤسساتها. في المقابل، غياب الاحتجاج أو قمعه هو الذي يهدد الدولة، لأنه يُحوّلها إلى سلطة مغلقة على ذاتها، فاقدة للشرعية المجتمعية، هنا تتضح المعادلة القيمية: الحرية لا تنفصل عن الوعي، والحق لا يستقيم دون واجب. فالمجتمع الذي يحتج بوعي، هو ذاته الذي يصون مؤسساته ويحمي أمنه الجماعي. والدولة التي تضمن حرية التعبير هي نفسها التي تحرس استقرار الوطن وتمنع الانزلاق إلى الفوضى. إن الرسالة السياسية الأعمق هي أن الديمقراطية المغربية ليست مجرد قواعد دستورية جامدة، بل هي ثقافة ووعي مجتمعي يتغذى من قيم التوازن بين الحرية والنظام. وهذا ما يجعل التجربة المغربية نموذجًا في الإصلاح داخل الاستقرار، وفي الحرية المؤطرة بالمسؤولية، حيث يتحول الاحتجاج من مجرد صرخة غضب إلى قوة مجتمعية واعية تساهم في البناء بدل الهدم، وفي التغيير داخل الاستمرارية لا خارجها. (*) أستاذ العلوم السياسية كلية الحقوق أكدال - الرباط