في أقل من أسبوع، وجدت نفسي خارج السياق. خارج كل شيء، وخارج العالم وخارج المعادلة برمتها. مثل أطرش في عرس صاخب ينشطه عبد العزيز الستاتي، ومثل كسيح يحاول اللحاق بعالم يسير بسرعة ثلاثة أجيال دفعة واحدة. كنت أظن أن الزمن يقاس بالسنوات والعمر، حتى اكتشفت أن الأجيال تحمل حروفا وليس أرقاما، وأن حرفك هو ما يحدد هويتك وطريقة فهمك للعالم، ومساحتك مع التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي وتطبيقات وغرف الدردشة وصناعة المحتوى. قل لي حرف جيلك، أعرف من أنت. فمن لا حرف له، لا جيل له، ولا حاضر ولا مستقبل له. حرفك هويتك، وسر وجودك، هكذا فهمت في ما بعد. في محاولة يائسة لفهم هذا الواقع الجديد. سألت ابنتي من جيل "زيد"، عن الحرف الذي يحمله "جيلي"، ذلك الجيل الذي فتح عينه على تلفاز بالأبيض والأسود، يبدأ في السادسة مساء، وينتهي في الحادية عشرة بـ"التشاش"، وبعده وقبله الفراغ. جيل "حنيقيزة"، والدواء الأحمر و"الداجينا"، والطاولات الخشبية الملطخة بمداد أزرق، ودفاتر "الضبع" ومؤلفات أحمد بوكماخ، ولوحة خشبية مهترئة يتوارثها جيل عن جيل. لم تترك لي فرصة تنشيط الذاكرة، فأجابت بسرعة البرق: "حرف جيلكم هو "إكس""، ثم وضعت سماعة من نوع "إيربودز" في أذني، وكأنها تقول لي "لا تحاول أن تطرح أسئلة غبية مرة أخرى... هذه طريقة مثلى للتواصل مع العالم الحديث". في أقل من أسبوع.. غرقنا جميعا في "تسونامي" من الحروف والكلمات والمصطلحات والصور والتجليات وطرق الكلام والتعبير التي تصنع فجوة زمنية ضخمة بين جيل حالي، وأجيال سابقة. كل كلمة، كل مصطلح، يبدو وكأنه قفزة بين زمنين: زمننا نحن، وزمنهم هم، وبينهما هوة سحيقة من سوء الفهم. أولادنا اليوم لا يحملون حروفا فقط، بل رموزا وإشارات ورسائل، ينبغي أن تلتقط. نحن جيل وهم جيل آخر تماما، وبيننا فوضى حروف، وسدود فهم وتواصل، ظهرت جلية في تدبير الفضاء العام، حين واجه رجال أمن، لأول مرة، محتجين جسورين، يسيرون إلى المخافر برؤوس مرفوعة، دون خوف، أو هروب. قد تنتهي الوقفات الاحتجاجية، ويعود الشباب إلى مدارسهم، وقوات حفظ النظام إلى مقراتهم، وتهدأ الأجواء، وربما ستجد جميع المطالب طريقها إلى الحل، لكن سيظل الواقع في مكانه. هناك مغاربة جدد بأحلام وطموحات وانتظارات ووجهات نظر ينبغي أخذها بعين الاعتبار. أجيال حالية وأخرى قادمة في الطريق في دورة حياة لا تنتهي، على الجميع أن يستعد لها. حروف ورموز وكلمات وأصوات تشكل كلها ملامح مستقبل. نحضنه، أو ندعه يسقط. للتفاعل مع هذه الزاوية: mayougal@assabah.press.ma