fbpx
حوادث

اللصوص والسكارى يفقدون ضريح سيدي عبد الرحمان هيبته

المرفودة” أصبحت تباع في الأسواق والشوافات يتنفسن الصعداء كل يوم جمعة

على بعد كيلومترات قليلة من شاطئ عين الذياب، وشريطه الساحلي المعروف بصخبه وسياراته الفارهة وعلبه الليلية ومقاهيه المصنفة، تظهر من بعيد قبة بيضاء، كطائر خرافي يتوسط أمواج البحر يقصده البيضاويون من كل حدب وصوب، ليحتفوا به ويغترفوا من بركاته، ويقيموا له ولائم كثيرة وطقوسا كبيرة، حتى يذهب عنهم الحزن والبأس، ويخلصهم من “التابعة” ويشفيهم من أمراضهم المستعصية التي فشل الأطباء في علاجها..إنه سيدي عبد الرحمان “مول المجمر” “التسليم أ سيدي عبد الرحمان”

الطريق من بداية الشريط الساحلي عين الدياب إلى ضريح سيدي عبد الرحمان، ممتعة ولا يمكن أن يتسلل إلى مرتاديها الملل أو التعب، واجهات إشهارية، ومقاه تسر طلعتها الناظرين وكرات حديدية لامعة تزين الشارع، وصوت أمواج البحر يساهم في إنجاح سمفونية جميلة ترقص على ألحانها بعض النوارس التي بدت وكأنها تحيي كل زوار الكورنيش في ذلك المساء.
هنا سيدي عبد الرحمان الذي يرقد جثمانه تحت قبة بيضاء تحميه من رطوبة البحر منذ سنين. الكثير من البيضاويين يجهلون هويته، ماعدا ما اشتهر به على أنه «سيدي عبد الرحمن الجمار أو مول المزمار»، ومع ذلك دأب الكثيرون على ارتياده، نظرا لموقعه الجغرافي المطل على البحر، وما ترسخ لديهم من اعتقادات بأن لـ»سيدي عبد الرحمان» كرامات فيها شفاء وعلاج من الأمراض النفسية، إلى جانب صمود بنائه أمام أمواج البحر المتلاطمة، ما أكسبه قدسية عند الكثير من سكان المدينة الغول.
عند مدخل الباب يوجد حارس دائم للسيارات والدراجات يرقب المارة كأنه يبحث عن شيء ضائع، بل إنه يبحث عن زبون جديد لن يقبل منه أقل من 5 دراهم للسيارات ودرهمين لأصحاب الدراجات الذين يتحملون قسوة البرد للانتقال إلى «الولي الصالح».
بركة «مول المجمر» لم  تفد الحارس الذي قضى أزيد من 10 سنوات من عمره يرنو إلى القبة البيضاء، وينتظر بركة زوار ولي صالح أفنى عمره في عبادة الله والزهد والتقرب إلى خالقه بالأعمال الصالحة، وهو لا يدرك أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، بل هناك الكثير من النساء والباعة الذين اتخذوا من رمال الشاطئ الصفراء سوقا شعبيا تباع فيه الفطائر والشاي والحريرة، وأشياء أخرى، تجارها نساء ورجال من دواوير متاخمة للحي الحسني القريب من الضريح.

شاي وحريرة قبل الزيارة

قبل أن تطأ قدماك بوابة الضريح، يجب أن تجتاز عددا من الباعة الذين انزووا في جهات متفرقة، تجاور الضريح، الذي يعلو صخرة مرتفعة ترتطم بها أمواج البحر من كل الجهات، ويبدو من الخارج عبارة عن قبة مجنحة بالأخضر والأبيض، قيل عنها إنها “تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي”، كما تحيط بالضريح مجموعة من المنازل والغرف، يتخذها زواره ملجأ للمبيت والتبرك “بسيدي عبد الرحمان” ليل نهار، وبالقرب منه ضريح دفنت به سيدة يقال إنها “أمه” قامت بخدمة الولي سيدي عبد الرحمان لسنوات وقضت بجانبه مدة في الجزيرة.
“أيام مول المجمر كلها عز ماشي غير لعواشر” هكذا أجاب رجل خمسيني، يرتدي “فوقية” سرقت منها الأيام بياضها ، وصندلا جلديا ، يؤكد الرجل أن كل يوم تأتي أفواج كثيرة من النساء والرجال إلى الضريح، منهم من يزور ومنهم من يبقى في الخارج، ومنهم من يقصد الشوافات لـ”يطرطق اللدون” لإبعاد العين والحسد والتابعة، وهناك فئة أخرى تجد في الموقع الجميل الذي يوجد عليه الضريح، فضاء خاصا للتأمل والتذكر، فضاء يطل على البحر ويعطي للمكان سحرا خاصا، “مشيرا بسبابته إلى صخور وراء الضريح، كان يجلس بها بعض معاقري النبيذ الأحمر، وعشاق فقراء فضلوا الانتعاش بنسيم البحر، على الاكتواء بسعر القهوة بعين الذياب.
المعلومات التقنية حول الضريح قليلة إن لم نقل منعدمة، فتاريخ إقامة ضريح «مول المجمر» غير معروف، كما لا يوجد، حسب بعض المؤرخين، أثر له في تخطيط الخرائط القديمة للدار البيضاء، خاصة خرائط القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، ما يعني في نظر الباحثين في التاريخ أن الضريح عرف نشأته خلال الفترة الاستعمارية، مرجحين أنه «كان فوق الصخرة قبر أو حوش، لم تكن له أهمية، وارتبطت شهرته مع بداية الاكتشافات الأثرية ما قبل التاريخية بالموقع الذي أطلق عليه اسم مقالع سيدي عبد الرحمان».

“جمعة مول المجمر”

عكس عدد كبير من الأضرحة المطلة على البحر، المعروفة بقدسيتها وكراماتها لدى آلاف المغاربة، بدأ “سيدي عبد الرحمان يفقد بعض بريقه وشهرته، نظرا للمظاهر التي رافقت هذا الولي، كالسرقة وتعاطي المخدرات في حضرة الضريح، وانتشار خبر اعتقال متهم كان يبيع “المرفودة” وهي عبارة عن دجاج “بلدي” يذبحه الزوار فوق الصخر بعد رميه في إحدى الحفر القريبة من الضريح، إذ كان المشتبه به يجمعه لبيعه في سوق شعبي بالحي الحسني.
رغم أن “مول المجمر” لم يعد قادرا على استقطاب مئات الزوار كل يوم إلا أن الجمعة تعتبر يوما أبيض في سجل الضريح  وتدعى “جمعة مول المجمر”، لأنه اليوم الوحيد الذي يتنفس فيه الباعة الصعداء، وتغتنم فيه الشوافات اللواتي يكترين غرفا بالضريح الفرصة لقراءة الطالع، وبيع اللدون،  فهو اليوم المفضل للزوار للاقتراب من “السيد” والاغتراف من بركاته.
وهو أيضا يوم ابيض لباقي الاضرحة التي تحتضنها مدينة الدارالبيضاء، من بينهم، سيدي بليوط وسيدي البرنوصي وسيدي عثمان وسيدي مومن وسيدي معروف،  التي تتحول إلى أماكن لممارسة مختلف أصناف الشعوذة والسحر وكذا طرد لعنة الجن والعنوسة وغيرها من المعتقدات التي ما تزال مترسخة في أذهان بعض البيضاويين.
وتتوزع زيارة البيضاويين،  حسب اختصاص كل ولي، فعلى سبيل المثال يتم التوسل لسيدي عبد الرحمان من أجل المساعدة على الإنجاب وتجاوز حالات العقم، في حين يتم التوسل لسيدي محمد مول الصبيان من أجل شفاء الأطفال، أما سيدي فاتح فيشكل قبلة للفقراء وغير المحظوظين في الحياة، فيما يشكل ضريحا سيدي أحمد بنيشو وسيدي مسعود، قبلة للأشخاص الذين يعانون أمراض نفسية.
زيارتنا للضريح التي دامت زهاء ساعة واحدة، لم نجن من ورائها البركات، ولم نشف   من الزكام الذي صعب مأمورية مهمتنا، غير أن آلاف البيضاويين متيقنون أن سيدي عبد الرحمان من «السادات» والأولياء، الذين لا يخيبون آمال زوارهم، يأتي إليهم المرضى والمسحورون، والمثقفون نسبة إلى مرض «الثقاف» وليس إلى الثقافة.
إيمان رضيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى