نجيب قلال آخر "منقذي الكتب" بالبيضاء يكشف أسرار مهنة ترميم المخطوطات في عمق زقاق هادئ مقتطع من صخب سوق "قريعة درب السلطان" بالبيضاء، تصطف محلات تجارية متقابلة بعضها يحتل صفا تابعا لمسجد عتيق معروف باسم "جامع الحاج علي" يشكل نواة لمجموعة من المرافق التابعة لهذا المسجد الذي يعود تاريخ تشييده إلى خمسينات القرن الماضي، كما يشير إلى ذلك نقش على حجر "المنجور" فوق قوس بابه الضخم. إنجاز: عزيز المجدوب الزقاق الهادئ لا تخترق هدوءه سوى جلبة وقع خطوات المصلين، الذين يدخلون أو يخرجون من المسجد، بينما تتناهى من البعيد أصوات الباعة قادمة من الأزقة المجاورة التي تشكل سوقا مفتوحا في العراء مستسلما للفوضى والضجيج. مباشرة بعد انتهاء صلاة العصر، ينحني نجيب قلال، رجل في منتصف عقده السادس، على حذائه الذي تركه عند باب المسجد، بعد أدائه الصلاة، وينعطف يسارا، منعزلا عن أفواج المصلين الخارجين، حيث يوجد محله الملحق بالمسجد، ويفتح بابا زجاجيا مكتوبا عليه عبارة "تجليد الكتب" مذيلة باسمه ورقم هاتفه، ليلج عالمه الخاص الذي لا يبارحه إلا لأداء الصلاة.داخل المحل تنبعث رائحة الورق والكتب القديمة التي تؤثث أو تتناثر في مختلف أرجائه وجنباته، ممزوجة برائحة اللصاق والجلد، ما يضفي على المكان جوا خاصا، يجعل الداخل إليه يشعر بأنه في حضرة غرفة إنقاذ الكتب مؤثثة بكل لوازم هذا الإنقاذ من معدات يدوية، يبدو أن نجيب خبر التعامل معها.نذر نجيب قلال نفسه لمهمة إنقاذ الكتب والمخطوطات وترميمها، منذ منتصف ستينات القرن الماضي، أي أزيد من على نصف قرن، تعامل فيها مع آلاف الكتب والوثائق والمخطوطات، قادما من تونس التي ولد بها، ويتحدر منها، ودخل المغرب مع أسرته الصغيرة وهو في الثالثة من عمره، ليطيب لهم المقام بحي "غريغوان" القريب من "القريعة"."لم يكن عمري يتجاوز الرابعة عشرة، حين وجدت نفسي مشدودا إلى عالم الكتب، أعاملها كما أعامل الكائنات الحية، كان ذلك من خلال اشتغالي في مطبعة بشارع الزيراوي كانت في ملكية يهودي مغربي، حيث تلقيت المبادئ الأولى في فن التعامل مع الورق والكتب"، يقول نجيب.ويضيف "خلال هذه الفترة، استغللت الفرصة لدراسة التجليد بالمراسلة من فرنسا، واستفدت كثيرا من هذه التجربة" وبينما نجيب يتحدث ينهمك في عمله في معالجة كتاب بين يديه، شرع في تفكيك أوراقه بليونة وحذر بالغين، قبل أن يدخل كل أوراقه داخل آلة قطع كهربائية لا يتجاوز طولها مترا، قضمت زوايا الكتاب المهترئة دون أن تتجاوز حدا ضيقا بها، حتى لا تصل إلى الأسطر المكتوبة.بعدها شرع نجيب في طلاء جنبات أوراق الكتاب باللصاق، ثم ألصقها بشريط كرتوني معد سلفا بحجم جنبات الأوراق، قبل أن يتم إلصاقها بالغلاف الجلدي لتتم خياطته بشكل يدوي.يصر نجيب على اعتبار عمله حرفة يدوية خالصة، ويقول إن الآلة الدخيلة الوحيدة في محله هي القاطعة الكهربائية، التي لجأ إليها تسهيلا لعملية القطع ولتكون بشكل أدق وأسرع.ويقول في المرحلة النهائية لإنقاذ كتاب قديم "يفصل له غلاف على مقاسه من الجلد الطبيعي، ويلصق الجلد على ورق مقوى صقيل، ثم تبصم عليه بيانات الكتاب وعنوانه باللون الذهبي على الغلاف الأمامي والكعب، ثم يلصق الغلاف بكعب الكتاب، ويوضع داخل مكبس يدوي حتى يجف".لا يقتصر اشتغال نجيب فقط على الكتب القديمة، بل أيضا هناك بعض زبائن أو كتاب يجلبون إصداراتهم الحديثة، ويعيدون تجليدها رغبة في حمايتها من التلف والاحتفاظ بها أطول مدة، كما أن هناك من يحرص على تجميع أعداد مجلات، أو تجليد أطروحة أو بحث جامعي."في ما قبل، كانت غالبية الزبناء من الأثرياء وأصحاب المكتبات الخاصة، الذين يلجؤون إلى تجليد كتبهم وألبوماتهم التذكارية كنوع من الوجاهة الاجتماعية" يقول نجيب، ويضيف "في ما بعد لم أعد أتعامل مع الأفراد فقط، بل أيضا المؤسسات خاصة الكليات والجامعات، وإدارات المحاكم التي تسهر على تنظيم أرشيفها والحفاظ على أصول الأحكام والمعاهد الدينية والخزانات البلدية والمكتبات العمومية، إضافة إلى أغنياء يقتنون مكتبات بكاملها وأشرف على تجليد محتوياتها بالكامل تحت الطلب".رغم توسع نشاط الطباعة وصناعة الكتاب ودخول آلات حديثة، فإن نجيب يصر على اعتبار أن مهنة التجليد ما زالت محتفظة بمكانها، رغم أنه الوحيد الذي ما زال يزاولها بالدار البيضاء بهذا الشكل التقليدي، بعد ما كانت المدينة تعج بأسماء أخرى وإن كانت قليلة، مثل "لمعلم جناح" بدرب بنجدية، فيما ما زال البعض الآخر يشتغل بالرباط أو بمدن أخرى. ويضيف أن عدد الزبائن لم ينقص إلا قليلا، إذ ما إن يتوارى زبون حتى يعوضه آخر، وأن هذه الحرفة لن تتوقف ما دام الكتاب متداولا، ومتى انقرض هذا التداول تنقرض معه الحرفة.تلقين الحرفة للأبناء كي يضمن لحرفته الاستمرارية، لقن نجيب مبادءها لأبنائه خاصة ابنه وابنته، اللذين وسعا نشاط الحرفة الذي لم يعد مقتصرا فقط على تجليد وصيانة الكتب القديمة، بل أيضا تغليف البحوث الجامعية، وصناعة علب الهدايا وبعض الأدوات المكتبية الجلدية، وهو ما حتم على نجيب نقل هذا النشاط الموسع إلى محل آخر بحي الإنارة، مع الحفاظ على محله الأثير الذي يشتغل فيه منذ السبعينات، ويحرص على التردد عليه يوميا، تاركا المحل الآخر في عهدة ابنه وابنته.من بين الإشكالات التي يواجهها نجيب قلال، مسألة ترك بعض الزبناء كتبهم وعدم السؤال عنها، ويشير إلى كتب موضوعة على بعض الرفوف قائلا إن بعضها مودع هناك منذ أزيد من عشرين سنة، ولا يملك حق التصرف فيها بالبيع أو التخلص منها من الناحية القانونية، وهو ما جعله يخصص لها حيزا حتى لا يفاجأ بأحد الزبائن يعود بعد غياب ويدلي بشيء يبرر غيابه كأن يكون سجينا أو مريضا، كما هو الشأن بالنسبة لأحد الزبناء الذي عاد يسأل عن كتاب أودعه وغاب لمدة ثماني سنوات.