بنكيران يسحب صلاحيات رؤساء الجماعات المحددة بقانون ويمنحها للعمال والولاة بمرسوم تحولت إشكالات رخص البناء والإذن بتسليمها والإجراءات البيروقراطية التي تحيط بها، معرقلا أساسيا لفرص الاستثمار في قطاعات العقار، خصوصا في المدن الكبرى، حيث يجد الولاة والعمال أنفسهم، يوميا تقريبا، وجها لوجه أمام احتجاجات المنعشين العقاريين وأصحاب التجزئات والمجموعات السكنية والمهندسين المعماريين الذين يشتكون من بطء مساطر تسليم الرخص والإذن الرسمي بالشروع في تنفيذ استثماراتهم العقارية. فما الذي يقع بالضبط في هذا القطاع، إذ ينتاب فاعليه إحساس أن أيادي خفية تجره إلى الوراء؟ وهل يتعلق الأمر، فقط، بكثرة الطلب والملفات العقارية، مقابل قلة الإمكانيات وضعف الموارد البشرية وعدم انتظام اللجان المشتركة للرخص، أم بشيء آخر يكمن في تفاصيل القوانين المنظمة لقطاع التعمير وضوابط البناء الملحقة بها؟ لم تعد الصعوبات التي تواجه تطبيقات منظومة الشبابيك الموحدة للتعمير واللجان الإقليمية للتعمير بتراب المغرب سرا من أسرار وزارتي الداخلية والتعمير والسكنى، بعد أن تحولت اجتماعات الولاة والعمال مع رؤساء الجماعات والجهات والمنعشين العقاريين وأصحاب التجزئات والمهندسين المعماريين عادة شبه شهرية تقريبا، لصد "الاحتجاجات" وتخفيف موجات الغضب في صفوف الجميع دون استثناء، والنتيجة تعطيل واحد من أهم القطاعات الاقتصادية في البلد. أغلب الملاحظات التي يتوصل بها الولاة والعمال وتحد من تفعيل حقيقي لمساطر تسليم الرخص والإذن بها، تتعلق بالغموض الكبير في مرسوم ضابط البناء العام، بل إن فاعلين يطالبون، اليوم، بإقرار مرسوم توضيحي جديد لأهم مقتضيات ضابط البناء العام المحدد لشكل وشروط تسليم الرخص المتعلقة بالتعمير والتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، رفعا لسوء الفهم الكبير في الاختصاصات وحدودها والمهام المكفولة للمقاطعات والأخرى المتعلقة بمهام مجلس المدينة. أوضح من ذلك، كان مسؤول كبير لإحدى الوكالات الحضرية رمى، في اجتماع أشرفت عليه وزارة الداخلية، بقنبلة من العيار الثقيل، حين أكد أن المعرقل الجوهري لتنزيل مقتضيات قانون 25/90 ومرسوم ضابط البناء المتعلق به، يكمن في التناقض القانوني الجهوي بين النصين، في ما يتعلق بالجهة المخولة لها الإذن بتسليم الرخص. هذه الإشارة رغم أهميتها لم ينتبه إليها أي أحد، بل مازالت عدد من الجهات تصر على أن مشاكل الشبابيك الموحدة للتعمير واللجان الإقليمية للتعمير تتعلق فقط بطول مواعد تسليم الملفات والرخص، وقلة الموارد البشرية والإمكانيات اللوجستيكية وعدم التزام بعض المصالح الخارجية بتعيين من يمثلها في هذه الشبابيك واللجان، رغم الأثر الكبير لهذا النوع من المشاكل في الحد من فاعلية قانون التجزئات العقارية وضابط البناء، وبالتالي الحد من دينامية القطاع ككل. من الخيمة... أحد ملامح هذا التناقض بين قانون ومرسومه التطبيقي، يبرز من خلال التعريفات المختلفة لرخصة البناء في حد ذاتها، وبالتالي الجهة التي تسلمها، كما ورد ذلك في عدد من القوانين والدوريات والمراسيم المنظمة لقطاع التعمير، ما يساهم في اتساع هوة الخلط والغموض. فتارة، تعرف رخصة البناء باعتبارها الوسيلة الممنوحة للإدارة من أجل فرض احترام كل التشريعات المتعلقة بتنمية المجال والالتزامات المختلفة التي وضعها المشرع على عاتق مالك البناء حفاظا على المصلحة العامة، وتارة أخرى تعرف بأنها «فعل تلاحظ بموجبه السلطات العمومية أن تنفيذ الأشغال المزمع إنجازها يمكن الترخيص بها بالنظر إلى النصوص المتعلقة بالتعمير، إذن فرخصة البناء تعتبر وثيقة إدارية في شكل قرار إداري تصدره السلطة الإدارية لإنجاز مشروع بناء طبقا للضوابط المعمول بها». وينعكس هذا الاختلاف في التعريف ليس فقط على الجهة المخول لها الإذن بالترخيص، هل هو رئيس جماعة أم سلطة إدارية، بل على ضوابط البناء نفسها، ويقصد بها الضوابط العامة التي تحدد طبقا للمادة 59 من القانون من القانون 12.90 المتعلق بالتعمير، شكل وشروط تسليم الرخص وغيرها من الوثائق المطلوبة بمقتضى قانون التعمير والنصوص التشريعية المتعلقة بالتجزئات العقارية، والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات والنصوص الصادرة لتطبيقها، ثم ضوابط السلامة الواجب مراعاتها في المباني والشروط الواجب توافرها فيها لما تستلزمه متطلبات الصحة والمرور والمتطلبات الجمالية ومقتضيات الراحة العامة. فصل كامل لرفع اللبس على مستوى نص القانون، خص المشرع مسألة الإذن بإحداث التجزئات العقارية بفصل كامل، هو الفصل الأول من الباب الأول من قانون 25/90، إذ أشارت المادة الثالثة إلى ما يلي: «يسلم رئيس مجلس الجماعة الحضرية والقروية الإذن في القيام بإحداث التجزئات العقارية»، واستثنى المشرع العقارات الموجودة في جماعتين، أو عدة جماعات، إذ يفوض لوزارة الداخلية (العامل أو الوالي) مباشرة هذا الإذن، بعد التشاور مع رؤساء المجالس القروية أو الحضرية. المواد اللاحقة (11 مادة) من الفصل الأول الخاص بـ»الإذن بإحداث التجزئات العقارية» لا تناقش هذه المسلمة (رئيس الجماعة هو المخول له إذن الإحداث)، بل تؤكدها عبر عدد من النصوص والمساطر، مثل الوثائق المطلوب إدراجها في ملفات طلبات الترخيص ودفتر الشروط، ورفض الإذن وتعليله. أكثر من ذلك، يفصل المشرع في مقتضيات هذا الإذن بالحديث عن أنواع قرارات الترخيص، وهي ثلاثة، إما رخصة صريحة، وهي الحالة التي يمنح خلالها خلالها رئيس المجلس الجماعي رخصة البناء بشكل صريح بعد التأكد من احترام الطلب لجميع المقتضيات التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل، بما في ذلك المقتضيات الخاصة بتصميم التهيئة و ضوابط البناء. وهناك الرخصة الضمنية، أي تخول لطالبها البناء عند انقضاء مدة شهرين من تاريخ إيداع طلب الحصول على رخصة البناء يعتبر بمثابة قبول ضمني لها ، ثم الرخصة المقيدة، التي يلجأ إليها رئيس المجلس بعد دراسة الملف، إذ لا ترى اللجنة داعيا لرفض الملف مادام يمكن الاستجابة لبعض الملاحظات في وقت لاحق. إجراءات ترقيعية لسد الفراغ ما بين 1992 و2013 (أي حوالي 11 سنة)، ظل هذا الظهير المنفذ لقانون 25/90 يطبق كيفما اتفق، سواء بالنسبة إلى المشاريع الواقعة خارج نفوذ الوكالات الحضرية، أو داخلها، كما ابتكرت مجموعة من اللجان وجرت الاستعانة بممثلي مصالح مختلفة قبل تسليم الرخص والإذن بالإحداث. وبدا أن مرسوم ضابط البناء العام المحدد لشكل وشروط تسليم الرخص المتعلقة بالتعمير التجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات قد استفاد من جميع هذه الثغرات وأعطاب التنفيذ، قبل أن يسقط في التناقض الكبير التي تعانيه اليوم مختلف العمليات العقارية في المغرب، إذ تحول المرسوم إلى «قانون جديد قائم الذات»، يفترض أن تلحق به عدد من النصوص التطبيقية، أي ضوابط أخرى تشرح وتفسر مقتضيات الضابط العام. مرسوم يحتاج إلى مرسوم تطبيقي أهم تناقض وقع فيه مرسوم ضابط البناء، وقيل أنه مقصود، هو تعويم الجهة المخول لها الإذن بإحداث التجزئات العقارية في عدد من اللجان والهيآت (منشور وزارة الداخلية عدد 2000/1500)، إذ أصبح الفاعلون العقاريون أمام أربع لجان هي: لجنة المشاريع الصغرى، ولجنة المشاريع الكبرى في إطار لجنة الشباك الوحيد، ثم لجنة المشاريع الصغرى ولجنة المشاريع الكبرى في إطار اللجنة الإقليمية للتعمير. وفي كل هذه اللجان، يتوارى دور رئيس الجماعة والسلطة المنتخبة إلى الوراء ليفسح المجال إلى سلط أخرى في مسطرة الحسم في الإذن والترخيص، مثل ممثل السلطة الإدارية (الوالي أو العامل) علما أن دورهم محدود، حسب قانون 25/90، في الترخيص للعقارات الواقعة بين جماعتين أو عدد من الجماعات بعد الاستشارة مع رئيس الجماعة. هذا اللبس هو ما يجعل واحدا من أهم المشاريع القانونية المنجزة في عهد الحكومة الحالية، مجرد معرقل، عن قصد أو دون قصد، لقطاع حيوي يعول عليه لخلق الثروة ومناصب الشغل ورفع نسب النمو. استثناءات تفويض الترخيص من الرئيس يعتبر رئيس المجلس الجماعي من حيث المبدأ هو المختص في تسليم رخص البناء، لكن توجد مجموعة من الحالات تخرج بنص القانون من اختصاصه، وذلك بإعطاء عدة جهات أخرى الاختصاص في منح الإذن في الترخيص نظرا للخصوصية التي يتميز بها هذا البناء، أو حسب النظام القانوني المطبق في المنطقة التي يراد إقامة البناء عليها. فاستنادا إلى مقتضيات الظهير الشريف رقم 1.84.150 بتاريخ 2 أكتوبر 1984 المتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي، وبناء على الفصل 2 منه، فان كل من يرغب في بناء أو توسيع مسجد أو غيره من الأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي، لابد من حصوله على رخصة البناء من عامل العمالة، أو الإقليم المعني، بعد أخذ رأي مصالح وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، ووزارة التعمير . وخول الميثاق الجماعي للعامل أن يحل محل رئيس المجلس الجماعي في حالة رفضه، أو امتناعه عن القيام بأعماله الواجبة عليه في ميدان التعمير، ومن شأن هذا الرفض أن يضر بمصالح الأفراد، أو يترتب عليه التملص من مقتضى تشريعي أو تنظيمي أو المس بالمصلحة العامة. ومن جهة أخرى، يمكن للسلطة المحلية كذلك في بعض الحالات تسليم رخص البناء، بناء على المادتين 135 و136 من القانون 78.00، إذ يعوض الباشا رئيس المجلس الجماعي فيما يخص جماعات المشور باعتباره يمارس جميع الاختصاصات المسندة إلى رؤساء الجماعات بمقتضى الميثاق الجماعي، وبالتالي تعود له صلاحية تسليم رخص البناء. نقائص تضعف ضابط البناء رصد مصطفى جرموني، باحث جامعي ورئيس مصلحة التشريعات والأنظمة بالوكالة الحضرية بسطات، في قراءة لمرسوم ضابط البناء، عددا من النقائص في ضابط البناء العام، مؤكدا أن المشروع، رغم إيجابياته، لم يجب على مجموعة من التساؤلات التي يمكن أن تثار بمناسبة تطبيقه، من بينها لمن تؤول رئاسة مختلف اللجان المكلفة بدراسة طلبات الرخص، بعد أن كان منشور وزارة الداخلية عدد 2000/1500 ينص على أنه تعود رئاسة لجنة المشاريع الكبرى إلى مدير الوكالة الحضرية أو من يمثله، أما لجنة المشاريع الصغرى فيرأسها رئيس المجلس الجماعي في حالة وجود وثيقة من وثائق التعمير مصادق عليها، وفي حالة عدم وجودها تعود رئاسة اللجنة إلى مدير الوكالة الحضرية أو من يمثله. السؤال الثاني يتعلق بالنصاب القانوني لانعقاد أشغال لجنة الدراسة؟ وفي حالة الاختلاف في الآراء الفردية لأعضاء لجنة الدراسة، باستثناء الرأي الملزم لممثل الوكالة الحضرية، ماهي الإجراءات التي سيتبعها رئيس المجلس الجماعي المعني؟ هناك أيضا مسؤولية المهندس المشرف على المشروع في حالة الاكتفاء بشهادة المعاينة التي يدلي بها قصد الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة في حالة تسليم هذه الشهادة دون أن يكون صاحب المشروع قد احترم التصاميم المرخصة، وتكون المصالح الجماعية على علم بذلك. وسجل الباحث ملاحظات أخرى من قبيل عدم التطرق للجنة الجمالية والمآثر التاريخية والمواقع المرتبة وتحديد أعضائها وطرق اشتغالها، هذه اللجنة كان منصوصا عليها في منشور وزارة الداخلية عدد 2000/1500. كما أشار إلى عدم التطرق للجنة الاستثناءات بالوسط القروي المنصوص عليها في المادة 35 وخاصة المادة 37 من المرسوم التطبيقي لقانون 90-12 المتعلق بالتعمير، والتي تنص على أن «هذه اللجنة برئاسة ممثل السلطة الحكومية بالتعمير ممثلي الوزارات المكلفة بالأشغال العمومية والفلاحة والسكنى». إنجاز: يوسف الساكت