fbpx
حوادث

قراءة في نتائج المجلس الأعلى للقضاء

تكريس الطابع الاستثنائي لبعض القرارات التي اتخذها المجلس في الآونة الأخيرة (2/2)

في وقت متأخر من ليلة ممطرة من ليالي شتاء 2015، وحوالي الساعة الحادية عشرة والنصف من مساء يوم 30 يناير الماضي، أفرجت وزارة العدل والحريات عن نتائج الدورة الأخيرة من دورات المجلس الأعلى للقضاء، والتي خصصت لتدارس عدد من القضايا من بينها الملفات التأديبية للقضاة، ومقترحات تعيينات في مناصب المسؤولية القضائية، وقضايا مختلفة.

2 – الملفات التأديبية للقضاة وحاجز الصمت من جديد !

عكس الدورات الأخيرة للمجلس الأعلى للقضاء التي تم فيها كسر حاجز الصمت عن بعض الملفات التأديبية للقضاة التي خرجت إلى العلن وحظيت بتتبع اعلامي وحقوقي وشعبي كبير سيما بعد انضمام عدد من الجمعيات المهنية القضائية وحضور عدد من أعضائها مؤازرين في فريق الدفاع ضمن ما بات يعرف بملفات «قضاة الرأي»، فإنه خلال الشطر الثاني  من هذه الدورة ساد صمت غريب بخصوص طبيعة الملفات التأديبية، إذ يبدو أنه وأمام العقوبات التأديبية «القاسية» المتخذة في حق عدد من قضاة الرأي الذين اختاروا العلنية والاستعانة بالجمعيات المهنية القضائية للمؤازرة وللترافع، حيث ظهر بشكل واضح أن الإشارات التي تم بعثها من طرف المجلس تم التقاطها، ومن ثم تقرر الركون من جديد لمبدأ السرية ووجوب إبقاء الملفات التأديبية بعيدا عن أي تتبع إعلامي، تفاديا لأي حرج محتمل لكل الأطراف، ووفق البلاغ المقتضب الصادر عن وزارة العدل والحريات يلاحظ أنه بلغ عدد القضاة الذين مثلوا أمام المجلس الأعلى للقضاء في إطار مساطر تأديبية بسبب ما نسب إليهم من إخلالات مهنية وسلوكية، 15 قاضيا، أصبحت ملفاتهم جاهزة، حيث تراوحت المخالفات المنسوبة اليهم بين : عدم الحفاظ على صفات الوقار والكرامة التي تتطلبها مهامهم القضائية؛ الإخلال بواجب الشرف والوقار والكرامة؛العجز عن تبرير مقنع لمصدر الثروة، والإخلال بالواجب المهني.

وقد تنوعت العقوبات المتخذة في حقهم، حيث تم عزل 3 قضاة يشتبه في تورطهم في قضايا انحراف أو فساد، والإقصاء المؤقت عن العمل لـ 4 قضاة من أجل مخالفات مهنية جسيمة؛ والتوبيخ لقاض واحد من أجل مخالفة لا تتسم بالجسامة، والبراءة في حق 7 قضاة ، وذلك في مخالفات ارتكبت بدون قصد أو في حالة التبرئة من أي مخالفة.
ورغم أن المجلس الأعلى للقضاء حاول تحديد معايير للبت في الملفات التأديبية المذكورة فإن الإشكال يطرح حول طبيعة الضمانات الممنوحة للقضاة خلال المسطرة التأديبية سيما على مستوى حق الطعن المخول إليهم طبقا لدستور 2011 الذي لا يزال يفتقد لأي أجرأة، في ظل تأخر تنزيل القوانين اللازمة، فضلا عن الإشكالات المتعلقة بغياب السند القانوني لبعض المتابعات التأديبية وغياب تصور واضح لمفهوم الخطأ المهني الجسيم الموجب للمسؤولية التأديبية وكذا ضبابية تطبيق مبدأ التناسب بين الخطأ والعقوبة، و في هذا السياق يلاحظ أن وزارة العدل تراجعت عن قرارها السابق بنشر أسماء القضاة المتخذة في حقهم عقوبات بالعزل في إطار ما اعتبرته تنزيلا من طرفها لميثاق إصلاح منظومة العدالة، الشيء الذي أثار تحفظات من طرف جمعيات القضاة لأن نشر الأسماء قبل صيرورة هذه القرارات نهائية يعتبر استباقا للطعون القضائية وإساءة متعمدة لمراكز المعنيين بالأمر الذين يبقى لهم الحق في التمتع بقرينة البراءة واستيفاء الحقوق التي يكفلها لهم القانون مواطنين وأبسطها الحق في التقاضي.

3 -انتقالات القضاة استثناء يكرس الاستثناء

رغم أن جدول أعمال هذه الدورة المعلن عنه خلال نونبر من 2014 لم يتضمن الشق المتعلق بالانتقالات توصل المجلس ب 508 طلبات انتقال تقرر تأخير البت فيها إلى حين تخرج الفوج 39 من الملحقين القضائيين، وهو ما يؤكد مبدئيا استمرار المجلس في مزاولة مهامه رغم انتهاء ولاية أعضائه تطبيقا للفصل 178 من الدستور. ورغم كل هذا كرس المبدأ سياسة الاستثناء وقرر البت في بعض الطلبات التي اعتبرها تكتسي صبغة آنية ومستعجلة، من بينها طلبات عدد من القاضيات اللواتي يرغبن في الانتقال إلى محاكم توجد بالمدن يقيم فيها أزواجهن أو قريبة منها، وكذلك الطلبات المتعلقة بأسباب صحية.

وفي هذا السياق نسجل بأسف كبير استمرار تجاهل المجلس الأعلى للقضاء لمقاربة النوع الاجتماعي واستمرار التمييز بين القضاة من حيث الجنسين وهو تمييز غير إيجابي، حيث لا يزال المجلس الأعلى للقضاء يرفض طلبات الأزواج الرامية إلى الالتحاق بزوجاتهم ويقبل فقط طلبات الزوجات الهادفة للالتحاق بأزواجهن اعتمادا على تفسير محافظ لواجب المساكنة الشرعية ولرعاية الأسرة، فرغم أن مدونة الأسرة الصادرة سنة 2004 تقر بمبدأ المسؤولية المشتركة للزوجين في تحمل شؤون أسرتهما، ما يزال المجلس يقر بشكل ضمني سياسة أولوية التحاق الزوجة بزوجها وعدم إمكانية التحاق الزوج بزوجته وهو توجه يتنافى مع روح دستور 2011 الذي أقر مبدأ المناصفة والمساواة بين الجنسين.

من جهة أخرى لا بد من الوقوف على ما تضمنه بيان وزارة العدل بخصوص التعيينات في بعض محاكم الاسئناف، حيث أشار البيان إلى أنه قد عرضت على المجلس الأعلى للقضاء وضعية بعض محاكم الاستئناف التي أصبحت تعاني خصاصا في عدد القضاة العاملين بها بسبب إحالة بعضهم على التقاعد أو تزايد عدد القضايا، ويتعلق الأمر بمحاكم الاستئناف بكل من : الرباط، الدار البيضاء، القنيطرة، ومكناس. ووفق بيان وزارة العدل يلاحظ أنه تم التعامل مع هذه المسألة باعتماد مسطرة جديدة، حيث استمع المجلس إلى الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف المذكورة الذين قدموا عروضا حول الخصاص الذي تعانيه هذه المحاكم والمشاكل التي تعاني منها بسبب نقص القضاة أو تخصص البعض منهم في البت في قضايا معينة، وعرضت في هذا الصدد لائحة بأسماء القضاة الراغبين في العمل بهذه المحاكم والذين تم الاتفاق على إمكان تعيينهم بها بين الرؤساء الأولين ورؤساء المحاكم الابتدائية الواقعة بالمدن نفسها التي توجد بها محاكم الاستئناف المذكورة. وبعد موافقة القضاة المعنيين بالأمر والاطلاع على ملفاتهم اقترح المجلس تعيينهم بتلك المحاكم. وهكذا تم تعيين :

15 قاضيا مستشارين بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء؛
4 قضاة مستشارين بمحكمة الاستئناف بالرباط؛
قاضيين مستشارين بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة؛
قاضية مستشارة بمحكمة الاستئناف بمكناس؛
إن السؤال الذي يمكن طرحه بخصوص هذا المستجد هو الأساس القانوني المعتمد عليه لتقرير هذا التوجه الجديد، هل نحن أمام مسطرة جديدة واستثنائية للتعيينات في محاكم الاستئناف؟ كيف تم اعتماد اللوائح التي قدمت للمجلس رغم أنه لم يعلن بشكل مسبق عن المناصب الشاغرة؟ هل أضحى تعيين قضاة محاكم الاستئناف يتم بناء على طلب المسؤولين القضائيين؟ هل المسؤول القضائي هو من يختار تشكيلة القضاة الذين سيعملون في دائرة المحكمة ؟ ألا يحتمل وجود شبهة تأثير أو مس باستقلال قضاة الأحكام العاملين في محاكم الاستئناف أمام هذه المسطرة الاستثنائية للتعيينات ؟ كيف يعقل أن يتم إقرار هذه المسطرة الاستثنائية في تعيين قضاة محاكم الاستئناف في وقت يطالب فيه القضاة بغل يد المسؤول القضائي على مستوى الجمعيات العمومية وإعمال المقاربة التشاركية منعا لأي شبهة للتأثير المحتمل؟ كيف يتم هدر مبدأ تكافؤ الفرص بين القضاة وإلغاء حقهم في تقديم طلبات للانتقال من محاكم ابتدائية إلى محاكم استئناف من خلال الالتفاف على المسطرة العادية في البت في طلبات الانتقال والركون إلى مسطرة التوافق بين المسؤول الأعلى والمسؤول الأدنى لاختيار قضاة محاكم الاستئناف؟

وأخيرا .. يلاحظ من جهة أخرى أن المجلس الأعلى للقضاء رخص لعدد من القضاة في الاستمرار في العمل رغم حالة التنافي شريطة ألا يكونوا أعضاء في هيأة واحدة ، وهو ما يدفع للتساؤل حول ما إذا كان هذا الترخيص مؤشرا على إمكانية تعميمه ليشمل حالات أخرى يمكن لها أن تتقدم بطلبات جديدة من أجل العمل داخل المحكمة نفسها ووفق الشروط نفسها المبينة في المادة 24 من النظام الأساسي لرجال القضاء الذي يمنع على الأزواج والأقارب والأصهار إلى درجة العمومة أو الخؤولة أو أبناء الاخوة أن يكونوا بأي صفة كانت قضاة بالمحكمة نفسها ما عدا في حالة ترخيص من المجلس، أم أن الأمر مجرد استثناء يكرس الطابع الاستثنائي لبعض القرارات التي اتخذها المجلس في الآونة الأخيرة

بقلـم : أنس سعدون    عضو نادي قضاة المغرب عضو المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى