رواد الفن الأمازيغي (الأخيرة) في سوس، موطن الحضارة والفن، تنبض الحياة بإيقاعات الألحان الأمازيغية العريقة، هذه الأرض، التي كانت عاصمة الفن الأمازيغي، شهدت ولادة أعظم الفنانين الذين نقشوا بأصواتهم وألوانهم تاريخا خالدا في ذاكرة الزمن. في هذه الحلقات، نغوص في عوالم رواد الفن الأمازيغي، نروي قصصهم ونكشف عن أسرار إبداعهم، لتظل سوس منارة للفن والجمال. عبد الجليل شاهي ولد عمر واهروش عام 1933 في قرية تيحونا إيمزيلن، قبيلة مزوضة التابعة لعمالة شيشاوة. نشأ في بيئة فنية عميقة التأثير حيث كان والده، الرايس أحمد، فنانا فكاهيا مشهورا بلقب "باقشيش". كانت العائلة تقيم في مراكش، حيث أتيح لعمر فرصة التعلم من والده والاستفادة من جو جامع الفنا الثقافي، إذ صقلت هذه البيئة مهاراته في فنون الكلام وبلاغة اللسان، التي أصبحت في ما بعد الأسس الراسخة لمسيرته الفنية اللامعة. عُرف واهروش بإبداعاته الموسيقية والشعرية التي تأثرت بالأحداث السياسية والاجتماعية المحيطة به. كان له دور فعال في مقاومة الاستعمار الفرنسي من خلال أعماله الفنية التي لامست قلوب الناس وألهبت حماسهم الوطني. قصيدته الشهيرة "الضابط" كانت تعبيرا صادقا عن سخطه وسخط الشعب المغربي تجاه المستعمر، وقد كلفه ذلك السجن لثلاثة أشهر، حيث تعرض للتعذيب، ما أدى إلى معاناته مرضا في رموش العين، لكن ذلك لم يثنه عن مواصلة طريقه الفني والنضالي، بل زاده عزيمة وإصرارا. كانت مسيرته الفنية حافلة بالتجديد والإبداع، فقد أسس مدرسة موسيقية جديدة تعرف بـ"المدرسة الواهروشية"، التي كان لها تأثير كبير على جيل من الروايس، مثل الرايس محمد الدمسيري والرايس أوالطالب. تنوع إنتاجه الشعري بين الشعر الديني والغزلي، وامتد نشاطه الفني إلى خارج حدود المغرب، حيث قام بجولات فنية في فرنسا وبلجيكا، ما ساهم في نشر الثقافة الأمازيغية والفن المغربي الأصيل على نطاق أوسع. عمر واهروش لم يكن مجرد فنان، بل كان رمزا للتجديد والتطوير في الفن الأمازيغي، إذ أنه أضاف بعدا جديدا للأغنية الأمازيغية، من خلال تنويع المواضيع التي تناولها في أعماله، بما في ذلك الشعر الديني والإرشاد، والشعر الغزلي والقصص، والأحداث الوطنية. ومن أبرز أغانيه التي لا تزال تُردد حتى اليوم أغنية "قصر البديع"، التي خصصها للحديث عن مهرجان الفنون الشعبية الأول بمراكش. رحل الفنان عمر واهروش عن عالمنا في 27 أكتوبر 1994 بعد صراع مع المرض، لكنه ترك وراءه إرثًا فنيًا غنيًا يؤكد إسهاماته الكبيرة في الثقافة المغربية والموسيقى الأمازيغية. ما زالت أعماله تُسمع وتعاد إنتاجها من قبل فرق غنائية معاصرة، ما يعكس تأثيره العميق والمستمر في الموسيقى الأمازيغية. لقد كانت إبداعاته الفنية جزءا لا يتجزأ من التراث الموسيقي المغربي، وستظل تلهم الأجيال المقبلة من الفنانين والمستمعين على حد سواء، ليبقى اسم عمر واهروش خالدا في ذاكرة الفن المغربي.