اتصالات مجهولة المصدر ورسائل نصية تثير احتجاجات مستعملي الهواتف وإجراءات طويلة لوقف الإزعاجمن منا لم يتوصل باتصالات من مجهولين يزعجون راحته. من منا لم يرن هاتفه، في أوقات غير مناسبة، ليجد أن شخصا على الطرف الآخر يحاول إقلاق راحته. أشخاص كثر يتوصلون برسائل ومكالمات من شركات، تقدم عروضها في وقت متأخر من الليل، تشجعهم على اقتناء منتوجاتها. إنهم «مبرزطون»، يشنون حروبهم على فئات كبيرة من المغاربة. «مزعجون» يتمادون في تصرفاتهم اللاأخلاقية، في الوقت الذي يتطلب وقف الإزعاج إجراءات طويلة. اتصالات من أرقام مجهولة، ورسائل من شركات للاتصالات، ولغيرها، يتوصل بها المغاربة، في أوقات غير مناسبة، تثير احتجاجهم واستنكارهم، متسائلين كيف حصلت تلك الشركات على أرقام هواتفهم، موجهين اتهاماتهم لشركات الاتصال، وصابين جام غضبهم عليها. الكثير من المغاربة يستسلمون للأمر الواقع، فيما البعض الآخر يلجؤون إلى جمعيات حماية المستهلك، وفئة ثالثة تلجأ إلى القضاء من أجل إنصافها، سيما إذا كانت تلك الاتصالات تصب في الشق المتعلق بالتهديد والسب والقذف... «ما نتصاحبوش؟» الساعة الواحدة صباحا، الهاتف المحمول يرن. تنهض المرأة من فراشها مفزوعة لتفاجأ برقم مجهول يتصل بها، بعد ثوان من التدقيق في الرقم، تقرر الرد على المكالمة، لتجد في الطرف الآخر، صوتا رجاليا يقول «ألو حبيبة، فينك»، لم تقو المرأة على نطق كلمة واحدة، ليضيف الرجل «مالك سكتي؟»، حينها خرجت من صمتها وقالت «شكون معايا؟»، بعد هذه الجملة أطلق الرجل العنان لكلمات الحب والعشق، فما كان من المرأة إلا أن أغلقت الهاتف، قبل أن تدخل في متاهة كبيرة. إنها حالة من بين الحالات الكثيرة التي يشتكي أصحابها من اتصال أشخاص مجهولين بهم، يقلقون راحتهم، ويسببون لهم مشاكل بالجملة مع شركائهم. حالة من بحر الحالات التي يجد أصحابها أنفسهم في موقف حرج، يجهلون معه كيفية التصرف، والإجراءات التي يمكنهم اتخاذها من أجل وقف الإزعاج. والمشكل أنها تستمر ، إلا في حالات نادرة «رن هاتف زوجي، في ساعة متأخرة من الليل، ظن في بادئ الأمر أنه أحد أفراد عائلته يتصل به لطارئ لا يمكن أن ينتظر إلى الصباح، إلا أنه فوجئ بفتاة «كتفلى»، وتضحك بصوت مرتفع مع أخرى بقربها»، وأضافت الزوجة أنها لم تتمالك نفسها، وأخذت الهاتف من زوجها، سيما أنه أكد لها أنها ربما أخطأت الرقم، «انهلت عليها بالسب والشتم، وأغلقت الهاتف، إلا أنها عاودت الاتصال من جديد، في تحد منها لمواجهتي»، تقول الزوجة، قبل أن تضيف أنها توقفت عن الإزعاج، بعد أن فشلت في تحقيق هدفها. الاتصالات المزعجة، ارتفعت خلال السنوات القليلة الماضية، إذ يعتبر أغلب المشتكين منها، أن السبب يعود بالأساس إلى العروض التي تقدمها شركات الاتصالات لزبنائها «بمجرد تعبئة 25 درهما في هاتف، يحصل الزبون على ساعتين من المكالمات، صالحة لأسبوع فقط»، وأضاف رجل توصل أكثر من مرة باتصالات من مزعجين، أن البعض يريد استغلال تلك المكالمات في إقلاق راحة البعض، حتى إن كان الأمر في ساعات متأخرة من الليل. في هذا الصدد، قالت مسؤولة بإحدى شركات الاتصال، إنه يمكن وقف الإزعاج الذي تسببه بعض المكالمات غير المرغوب فيها، مؤكدة أنه باستعمال الهاتف الذكي يستطيع الشخص منع التوصل بمكالمات من رقم محدد. وأوضحت أن هناك طريقة أخرى لتحقيق الأمر، إذ يمكن للزبون أن يتصل بمصلحة الزبناء ويطلب التوقف عن استقبال مكالمات من رقم معين، ويستجاب لطلبه، بعد أن يتم التأكد من معطيات المشتكي. وعن إمكانية معرفة البيانات الشخصية لصاحب الرقم الهاتفي مصدر الإزعاج، قالت المسؤولة إن الأمر يحتاج إلى إجراءات طويلة، إذ لابد أن يضع الزبون شكاية لدى رجال الأمن، باعتبار أن لهم الحق في الاطلاع على تلك المعلومات. وأوضحت المتحدثة ذاتها أن المشتكي في تلك الحالة، له الحق في المتابعة القضائية، وفي تلك المرحلة لا دخل للشركة في الموضوع، إذ يصير الأمر في يد القضاء. الإزعاج يدخل في إطار الأفعال الجرمية في ما يتعلق بالجانب القانوني، قال محمد أمين جلال، محام بهيأة البيضاء، إنه ليس هناك نص قانوني خاص يجرم الإزعاج بسبب المكالمات الهاتفية، «وهي ظاهرة متفشية في المجتمع المغربي، وجب تدخل المشرع وسن قانون خاص ينظمها ويجرمها تحقيقا للردع الخاص والعام»، مؤكدا أن الإزعاج كيفما كان نوعه يدخل في إطار الأفعال الجرمية التي يعاقب عليها القانون الجنائي المغربي، في إطار المخالفات والجنح أو حتى الجنايات. وأوضح جلال أن الإزعاج يمكن أن يأخذ شكل مهاتفات متكررة في أوقات متأخـرة من الليل، (مخالفات)، أو مكالمات ورسائل قصيرة، تتضمن كلاما نابيا وسبا وقذفا وما إلى ذلك، في حق المنادى عليه (جنح)، أو حتى التهديد بالقتل وما شابه ذلك (جنايات)، مشيرا إلى أنه يمكن متابعة كل شخص أقدم على إزعاج المواطنين عن طريق الهاتف. والإشكال المطروح، هو معرفة هوية الشخص المجهول، وإن تم التعرف عليه، تطرح إشكالية الإثبات «إذا تم تسجيل المكالمات من طرف الضحية، أمكن اعتباره وسيلة إثبات، إلا أنها تبقى غير كافية لإدانة المتهم». وعن الإجراءات التي لابد من اتخاذها لتحقيق الأمر ، قال إن إشكالية الإثبات في هذا النوع من الجرائم، هي الصعوبة الأكبر التي تواجه ضحايا الاعتداء عن طريق المكالمات الهاتفية، لأن العمل القضائي لم يستقر بعد، على اعتبار التسجيل الصوتي وسيلة إثبات قاطعة «لذلك أصبح التقنين ضرورة ملحة في ظل التطور الذي تعرفه الجريمة عموما في ارتباط مع تطور الوسائل التكنولوجية المعلوماتية واللاسلكية، وخصوصا ما تعرفه شبكات الاتصال من تنوع». وأضاف أنه إذا تعلق الأمر برسائل قصيرة تتضمن أقوالا من شأنها أن تشكل جنحة، أمكن للضحية تقديمها كبداية حجة، وإرفاقها بشكاية موجهة للنيابة العامة، التي تعمل على إجراء بحث، عن طريق الشرطة القضائية بجميع الوسائل التقنية واللوجيستيكية والسلطة المخولة لها لإثبات كل الأفعال الجرمية، وتقديم المتورطين للعدالة، «أما إذا تعلق الأمر بمكالمات هاتفية صوتية، يصعب معه إثبات الواقعة في حينها، أمكن للضحية التقدم بشكاية في الموضوع إلى النيابة العامة، مع طلب الإذن بالتنصت هاتفيا، للوقوف على حالة التلبس، وتضمين تلك الأقوال المسجلة في محضر رسمي، إلا أن هذا الإجراء مرتبط بخطورة الفعل الجرمي». واسترسل قائلا «يبقى إشكال الأرقام الهاتفية المجهولة هوية أصحابها، سببا رئيسيا في تفشي هذه الظاهرة، رغم المحاولات الجادة للجهات المسؤولة في الدولة للقطع مع هذه الفوضى التي يعرفها قطاع الاتصال اللاسلكي، بتنسيق مع الشركات المعتمدة، وذلك بجعل جميع الأرقام الهاتفية معروفة هوية أصحابها، تحت طائلة الحذف»، مؤكدا أنه إذا تحققت هذه المبادرة، وعممت على جميع الأرقام الهاتفية المتداولة بالمغرب، آنذاك سنكون في طريقنا إلى تخليق هذا المجال التواصلي. ولم يخف المتحدث ذاته التأكيد أن المشرع حرص على ضمان عدم إزعاج الغير وإرباكه، وذلك بمقتضى نصوص القانون الجنائي، كما هو شأن قضاء القرب الذي تجرم مقتضياته إحداث الضوضاء والفوضى، والذي يمكن إسقاطه على الإزعاج عبر الهاتف، إن لم يقترن بمخالفة، أو جنحة، أو جناية تنظمها نصوص أخرى، كما يمكن أن تدخل في إطار الجرائم الالكترونية التي نظمها القانون الجنائي في هذا الباب «وهذا هو ما سار عليه العمل القضائي الزجري في المغرب، في عدة نوازل عرضت عليه». وأكد محمد أمين جلال، أنه يمكن تحديد العناصر التكوينية للإزعاج عبر الهاتف، بالركن المادي المتمثل في عنصرين، استعمال الهاتف من جهة، والإزعاج من جهة أخرى، ويقصد به إقلاق راحةالغير والحيلولة بينه وبين ممارسة حياته العادية، والركن المعنوي، الذي يتحقق بمجرد توجيه إرادة الجاني إلى استعمال الهاتف، من أجل إزعاج الآخر أو الغير، مع علمه بذلك. شراء المعطيات الشخصية للمستهلكين "الرصيد مضاف 7 مرات ابتداء من 5 دراهم"، " آخر يوم ، 25 درهما= ساعتان + 100 رسالة"، هذه بعض الرسائل التي يتوصل بها الكثير من الزبناء في أوقات غير مناسبة. عروض "همزة" يستيقظ عليها الزبون، من "سابع نوم". إنها من بين خطط تلك الشركات لتشجيع الزبناء على التهافت على تلك العروض، لكن، دون أن تأخذ بعين الاعتبار حجم الإزعاج الذي يمكن أن تسببه. من جانبها، نفت مسؤولة بإحدى شركات الاتصال، أن يكون جل زبناء الشركة يتوصلون بتلك الرسائل. وقالت المتحدثة ذاتها إن الذين يتوصلون بها، سبق أن قبلوا بذلك، عند التوقيع على العقد الذي يجمعهم بشركة الاتصال، مؤكدة أنه يمكنهم وقف التوصل بالرسائل النصية القصيرة الخاصة بالعروض بالاتصال بمصلحة الزبناء ويتحقق الأمر دون جهد كبير. وعن الرسائل التي تهم بعض شركات السيارات أو التأمينات أو غيرها، قالت المسؤولة إن شركة الاتصال ليست لها علاقة بتلك الرسائل، مشيرة إلى أن تلك الشركات تحصل على رقم هواتف الزبناء من جهات أخرى. "توصلت أكثر من مرة برسائل نصية من شركة للسيارات، رغم أّنني لا أتذكر يوما أنني قدمت لها معطياتي ورقم هاتفي من أجل التوصل بجديد عروضها"، وتضيف إحدى المشتكيات من تلك الرسائل إن الأمر، "أضحى لا يطاق". وفي هذا الصدد، قال وديع مديح، رئيس جمعية حماية المستهلكين بالبيضاء، إن الأخيرة تتوصل بشكايات كثيرة من مستهلكين يشتكون من توصلهم برسائل نصية وإلكترونية إشهارية من شركات. وأوضح مديح، أن ما يثير احتجاجهم أنهم ينفون إعطاء معلوماتهم الشخصية لتلك الشركات، متسائلين عن طريقة التوصل إليها "رغم أن تلك الرسائل تدخل في خانة الإشهار المقنن، إلا أنها تزعج بعض المستهلكين، وتدفعهم إلى الاتصال بنا من أجل إيجاد حلول لها"، مشيرا إلى أنه من خلال بحث أنجزته الجمعية، في وقت سابق، تبين أن تلك الشركات توصلت بالمعطيات الشخصية للمستهلكين بطريقتين، أولاهما أن المستهلك وفي الوقت الذي يقدم معطياته خلال مشاركته في أحد ملتقيات أو الندوات، طواعية، تخزن تلك المعطيات من قبل اللجنة المنظمة، وفي الكثير من الأوقات يتم بيعها لشركات معينة "وهذا نوع من التحايل يقع فيه المستهلك دون أن يعي بذلك، وبالتالي يتفاجأ بالاشهارات الإعلانية تصله في هاتفه وعلى بريده الإلكتروني". وفي ما يتعلق بالطريقة الثانية، قال مديح إن المستهلك يوافق على استغلال معلوماته دون أن يعي بذلك "في الكثير من الأوقات، ومثلا عند التسجيل في موقع إلكتروني معين، يوافق المستهلك على شروط يحددها الموقع، والتي يمكن أن تشمل استغلال المعطيات الشخصية"، مشيرا إلى أنه في هذه الحالة يكون المستهلك هو المسؤول عن الإزعاج الذي تسببه له رسائل تلك الشركات. غرامة على الشركات "المزعجة" عن إمكانية توقيف التوصل بالرسائل المزعجة، أوضح مديح، رئيس جمعية حماية المستهلكين بالبيضاء أن قانون حماية المستهلك، يلزم الشركات أن تعلم المستهلكين أن رسائلهم هي عبارة عن رسائل إعلانية، وأنه يمكنهم التوقف عن التوصل بها، باتباع بعض الإجراءات "لكن الكثير منها لا تحترم القوانين، ولا تنفذه، والتي تعلن للزبون عن ذلك، ولا توقف الرسائل، حتى إذا طلب الزبون الأمر"، مضيفا أنه في حال ثبت أن الشركة تخالف القانون، يفرض عليها دفع غرامات، تصل إلى 10 آلاف درهم. وفي ما يتعلق بشركات الاتصالات، أكد مديح أنها معفية من ذلك، شرط أن لا ترسل رسائلها الإعلانية بعد الساعة 10 ليلا. من جهة أخرى، أكد وديع مديح، أن كل مستهلك وجد نفسه متضررا من رسائل شركات معينة، يمكنه اللجوء إلى جمعيات حماية المستهلك، أو اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، التي يمكنها التدخل ووضع حد للإزعاج الناتج عن تلك الرسائل، سيما أنه من بين أهدافها وضع حماية المعطيات الشخصية للمستهلكين. إنجاز: إيمان رضيف