ربورتاج

“الشيبة”… الجنية الخضراء

الصباح تحكي أسرار زراعتها بمنطقة بني مسكين الغربية وطرق جنيها وتسويقها

لدى الأوربيين، هي نبتة من مصر القديمة، بمثابة “جنية خضراء”، وفي المغرب، تحل بديلا عن النعناع مع الشاي، خلال فصل الشتاء، تمنح للجسد الدفء، ولا يتعدى ثمن “الربطة” منها درهما واحدا…
“الصباح” زارت واحدة من أشهر المناطق التي تنتج بها “الشويلاء”، وهنا، تحكي بعض الأسرار.

إنجاز: امحمد خيي – (تصوير: عبد اللطيف مفيق)

حل الشتاء، واختفى النعناع، فعوضته “الشيبة”. والسبب، هو نفسه منذ قرون: النعناع منعش، ولا يستقيم منكها للشاي في فصل تبحث فيه الأجساد عن الدفء.
غير أن ما لا يعرفه كثيرون من عشاق “أتاي بالشيبة”، أن المبلغ الضئيل جدا: ما بين 50 سنتيما، إلى درهم واحد فقط، الذي يدفعونه مقابل “ربطة” واحدة من الشيبة، وتكفيهم لنصف أسبوع، يصل، ككرة الثلج المتدحرجة، إلى جيوب المنتجين، وهو رزم تحسب بالملايين.
يتساءل واحد: “هل قلت منتجين؟”، فيأتي الجواب: بلا، فتلك النبتة، وهذا أمر، لا يعرفه كثيرون، ليست نبتة عطرية بورية تجود بها الطبيعة من تلقاء نفسها، بل، وعلى غرار باقي المنتوجات الفلاحية، تغرس، وتسقى و”تعالج” بمبيدات وأسمدة، قبل أن تأخذ طريقها من مزارع الشيبة نحو الأسواق.

مزارع الشيبة
الوصول إلى مزرعة للشيبة، يشبه البحث عن إبرة وسط كومة قش، فرغم أن النبتة تحظى بشعبية كبيرة، فهي لم تصل إلى درجة تجعل اسمها قرينا لمنطقة أو مدينة في أذهان المستهلكين.
وللمجيء إلى دوار المدادحة، بمنطقة بني مسكين الغربية، على حدود إقليم سطات وإقليم السراغنة، حيث تشكل نبتة “الشويلاء”، الزراعة الأساسية للعديد من الأسر، وجب المرور من سوق الجملة للخضر والفواكه بالبيضاء، لتلمس معالم الطريق لدى باعة “الشيبة” بالجملة، نحو مصدرها.
الدوار، هضبة في محيط سد المسيرة، وتحديدا على ضفاف وادي أم الربيع، و”تربة المنطقة، سخونة وحرشة وواعرة وفيها الحجر، فلا تقبل غير الشيبة وشجر الزيتون، نشاطا زراعيا”، يقول التهامي، مالك لعشرات الهكتارات من حقول “نبتة الجنون” بهذا المدشر.
“سيدي أحمد”، الشيخ الذي يقترب عمره من الثمانين، هو عم التهامي، الذي رأى النور في 1972، والاثنان لا يتذكران، تحديدا، منذ متى أصبحت “شجرة مريم”، تزرع بالمنطقة: “لا نعرف شيئا عن ذلك، وجدنا الناس د بكري يزرعونها، وورثنا الأمر عنهم”.
في عز الشتاء، يمسك التهامي بتلابيب جلبابه الأزرق، ويغوص وسط حقل مترامي الأطراف، تنتصب فيه شجيرات الشيبة بشموخ، ومنها تفوح رائحة قوية لكنها مهدئة، إيذانا بيناعتها ونضجها، ينحني التهامي، ويقطف بعضا منها، ثم يخرج من الحقل، بنباهة من يمشي على البيض.
“هذه التي تراها في يدي اليمنى، ربطة من الشيبة، ناضجة وهي الموجهة للتسويق خلال هذه الفترة من السنة، أما القصيرة التي في يدي اليسرى، فهي الشتلة التي نقوم بغرسها.
التهامي جهز حقله بقنوات للري بالتنقيط، تتزود بالمياه من نهر أم الربيع، الذي يخترق المنطقة، وقبل أن يقوم بغرس الشيبة، يقسم الحقل إلى مربعات صغيرة متوازية، من نصف متر مربع، يكون الواحد منها بمثابة “مزهرية” لباقة أو اثنتين من هذه النبتة.
ورغم أن التهامي يتفادى الاعتراف بذلك، زراعة الشيبة، لا تكلف ماديا شيئا كثيرا، فعملية الغرس لا تتجدد بالضرورة كل سنة، وكل ما يتطلبه الأمر، هو اقتناء كميات من سماد فوسفاطي، معروف بـ”الملحة 46″، ثمنه 4 دراهم للكيلوغرام، والهكتار الواحد من أغراس الشيبة، يستهلك طنا واحدا على مدار السنة.
“إمداد الحقول بالسماد، يتم بمعدل ثلاث مرات، خلال أكتوبر، أما عملية الري، فهي تتم بمعدل مرتين في الأسبوع قبل أكتوبر، ثم مرة واحدة في الأسبوع، خلال الشتاء والربيع، وفي فصل الصيف، لا يتم الري إلا نادرا، وحتى لا تيبس الأغراس”، يشرح التهامي.

مبيدات ضد الأعشاب الضارة  
ترتبط النباتات العطرية والمنكهة، في أذهان المستهلكين، ومنذ زمن بعيد، بأنها غالبا ما تأتي من مناطق بورية، أو جبلية، تجود بها طبيعيا، وبالتالي لا يمكن أن تمسسها المواد الكيماوية. وفي الحقيقة، هذا الأمر ليس صحيحا.
في طريق العودة من مزارع التهامي، بدوار المدادحة، يظهر بوشعيب، وهو مزارع للشيبة بدوار أولاد عمران، ومعه اثنان من إخوته، وسط حقل للشيبة، على جانب الطريق الإقليمية المؤدية نحو سد المسيرة، والتي تتفرع، على مستوى جماعة خميسات الشاوية، من الطريق الوطنية رقم 09 الرابطة بين سطات والبيضاء.
ينهمك بوشعيب بعملية الري، بطريقة تقليدية، في وقت يتأبط فيه، واحد من إخوته، على ظهره، مضخة لرش المبيدات الحشرية، ويطوف بخفة المتمرس بين أغراس الشويلاء، لإبادة الأعشاب الضارة والحشرات، وكل ما من شأنه التحرش بـ”شيبة العجوز” (اسم آخر للنبتة). فأي نوع من المبيدات يستعمل أخو بوشعيب؟
“نستعمل نوعا يدعى (رودوميل) وآخر اسمه (دراكون)، نقتنيه من باعة المبيدات والأسمدة في الفيلاج، ولا أعتقد أنه مضر بالصحة، لأن مفعوله يزول بعد مرور مدة كافية”، يقول أخو بوشعيب، بنبرة التلميذ الذي باغته مدرسه بسؤال عن درس لم يحضره.
وسط سطات، داخل مكتب المدير الجهوي للفلاحة، لم يكن، المدير، اللبق والراغب في التواصل، للوهلة الأولى، على دراية بمعطيات عن زراعة “الشيبة” بالمنطقة، كما بدت على ملامحه المفاجأة، حينما سمع باسمي المبيدين اللذين يستعملهما بوشعيب.
سيمر يومان قبل التوصل بوثيقة شاملة عن زراعة “الشيبة” بجهة الشاوية، من عبد المجيد مرزاق، مسؤول بمصلحة إقليمية خاصة بالمنتوجات المجالية ، بأمر من المدير الجهوي.
نبتة سخية لكنها غير مثمنة
في الوثيقة “الأفسنتين”، وهو الاسم اللاتيني للشيبة، “تعد من المنتوجات المجالية الرئيسية بالشاوية ورديغة، وتصل المساحة الإجمالية لمزارعها بالجهة حوالي 500 هكتار، تتوزع على الجماعات القروية لإقليم سطات: أولاد افريحة، وسيدي الخدير، وبني خلوق”.
وعلى غرار بوشعيب والتهامي، مزارعي الشويلاء، أكدت الوثيقة، أن الهكتار الواحد من شجيرات الشويلاء، يجنى منه ما بين 10 و15 طنا من “الشيبة” الموجهة للتسويق، خلال “الحشة” الواحدة، إذ أن هذه النبتة، وعلى خلاف النعناع، يمكن جنيها أكثر من مرة في السنة.
وكشفت مصلحة المنتوجات المجالية، التابعة لوزارة الفلاحة والصيد البحري، أنه بالإضافة إلى “عشق” المغاربة للنبتة، والإقبال عليها، بديلا للنعناع، خلال مواسم الطقس البارد، يتم تصديرها إلى الخارج، من قبل شركات دولية توجد بمحيط مطار محمد الخامس الدولي، وتستعمل لأغراض صيدلية، وفي إنتاج نوع من المشروبات الروحية.
غير أن التهامي، وبوشعيب، وغيرهما من المزارعين، يؤاخذون على وزارة الفلاحة، عدم تثمينها للمنتوج، “فهي زراعة لا تشملها برامج الدعم الفلاحي، رغم أنها الزراعة الأساسية، ومصدر العيش الوحيد للكثير من الأسر بالمداشر المحيطة بسد المسيرة”، يؤكد التهامي بحسرة.
شكوى المزارعين من إهمال وزارة الفلاحة للنبتة، تهم أساسا التسويق، ومثل الكثير من المنتوجات، بالمغرب، الجزء الكبير من الأرباح، يكون من نصيب باعة الجملة والمضاربين.
التهامي مثلا، “يتخلص” من الكميات الوافرة التي ينتجها سنويا، من خلال بيعها بدون معيار معين وواضح: “يأتي من الرباط أو البيضاء، باعة الجملة، أطوف معهم بين الحقول، ويلقون نظرة عليها، ثم يقترحون علي سعرا تقديريا، لا يستند إلى أي معيار، أوافق عليه في غالب الأحيان”.
بعد ذلك، وفي الصباح الباكر، يأتي عمال تابعون لباعة الجملة، فيقومون بعملية “الحش” ويشحنون المنتوج في سيارات نقل بضائع أو شاحنات، ويغادرون بها، نحو أسواق الجملة، أو نحو الشركات التي تتولى تصديرها.
ومؤاخذات المزارعين، يتلقاها المدير الجهوي لوزارة الفلاحة بسطات، بصدر رحب. فبالنسبة إليه، يوفر مخطط المغرب الأخضر، برنامجا لدعم الفلاحة التضامنية، وكل ما يتطلبه الأمر، هو أن ينتظم المنتجون في تعاونية، ويتقدمون بطلب، حينها يمكن التدخل.

أرباح بالملايين
يدعي التهامي، تراجع أرباحه في السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ خمس سنوات، أما عمه الشيخ “سيدي أحمد”، فهو ساخط على الوضع، واستبدت نبرة عصبية على حديثه، طيلة اللقاء معه، على عكس بوشعيب وإخوته، الذين كانوا متفائلين جدا، رغم أنهم أوفياء للطريقة التقليدية في الإنتاج، إذ لم يجهزوا، بعد، حقولهم بقنوات الري بالتنقيط، كما فعل التهامي، وكلفه الأمر ستة ملايين سنتيم.
بالنسبة إلى التهامي، تحديد الكلفة والأرباح، بدقة، أمر صعب، وبعد كثير من التردد والتفكير، يقول إن أربعة هكتارات من أغراس الشيبة، يجني منها 10 ملايين في السنة، مشتكيا من قلة الطلب، مقابل وفرة العرض، مقارنة مع سنوات خلت، ويحن إليها بقوة.
التهامي، الذي يؤكد أن مدة الإقبال على الشيبة من قبل المستهلكين لا تتجاوز ثلاثة أشهر في السنة، أي فصل الشتاء، “وإن لم تتخلص من منتوجك خلالها، غادي يهزك الماء، لأن الشيبة لن تصلح بعدها ولو علفا للبهائم”، كذبه حمار، عقله بوشعيب إلى شجيرة “شويلاء”، فانغمس يلتهم منها ما تيسر، في غفلة من صاحبه المنشغل بالحديث.
وليست الدابة وحدها، من كذب التهامي، بل تقديرات بوشعيب نفسه، بقوله إن “الهكتار الواحد من الشيبة، يكلف المزارع ثلاثة ملايين سنتيم في السنة، أجورا للعمال وثمنا للأسمدة والمبيدات، وقد يباع الهكتار بـ20 مليون سنتيم”، ما يعني أن هامش الربح من الهكتار الواحد، الذي يعطي ما بين 10 إلى 15 طنا من الشيبة في السنة، يصل في بعض الأحيان إلى 17 مليونا.
وقبل أن تصل النبتة إلى المستهلك، على شكل “ربطات” يتراوح ثمن الواحدة منها ما بين 10 سنتيمات ودرهم واحد، لدى باعة التقسيط، يكون باعة الجملة قد باعوها لهم، مقابل خمسة دراهم، أو أقل، للكيلوغرام الواحد.

الفايد: تقي من البرد والرعشة والزكام

“الشيبة” ليست شيئا يخص المغاربة وحدهم، فهي توجد في مناطق شتى في العالم، ومعروفة منذ مئات القرون، وتستعمل أساسا لأغراض طبية، ولإنتاج مشروب روحي منها، لكن “الاستثناء” المغربي، في ما يتعلق بهذه النبتة، أنهم الشعب الوحيد الذي توصل إلى كيفية استهلاكها، مادة عطرية ومنكهة، من خلال خلطها مع الشاي.
والغريب في هذا “الاستثناء” المغربي، أن تخليه عن خلط الشاي بالنعناع خلال الشتاء، مقابل العكس في الصيف، أثبت خبراء التغذية، أنع أمر ليس اعتباطيا أو مزاجيا كما نعتقد.
محمد الفايد، واحد من أولئك الخبراء، الذين لديهم تفسير علمي للمسألة: بخصوص النعناع، “يتغير طعمه مع دخول فصل الخريف، ولا يكون تركيز التايمول مرتفعا فيه، إلا في أواخر فصل الربيع وفصل الصيف؛ فيصلح منعشا ومبردا للجسم”. فماذا عن الشيبة؟
“الشويلاء لها مذاق مر، يعتدل فقط في فصلي الشتاء والربيع، ولو أنها دائمة الأوراق على مدار السنة، ولا تتحسن مكوناتها إلا في فصل الشتاء، لأنها تسخن الجسم، وتقي من الإصابة بالبرد والرعشة والزكام”.
ومع ذلك، يجب الحذر من “نبتة الجنون”، كما سماها الأوربيون، لأنها تحتوي على مكون خطير في زيتها، يدعى، حسب وثيقة لمحمد الفايد، “مركب التوجون، وهو سام بالنسبة إلى الجهاز العصبي، إذا كان بكمية كبيرة”.
ولا يدعو محمد الفايد، إلى مقاطعة استهلاك “الشويلاء”، لأنها “تساعد على الحد من ألم المعدة، وتعمل مطهرا ومخفضا للحمى والحرارة المرتفعة في الجسم ومسكنا للآلام”، لكنه يصر على التمسك بالطريقة المغربية: خلط أوراقها مع الشاي، بكميات مناسبة.

جدل تاريخي بأوربا

الأفسنتين، كلمة لاتينية، تحيل على “الشيبة” كما تحيل على صنف من المشروبات الروحية المقطرة القوية التأثير، والتي يتراوح حجم الكحول فيها ما بين 45 و74 درجة.
كانت “الشيبة”، ومشتقاتها، مثار جدل في أوربا، درجة أنها وردت في كتابات لكبار الأدباء والمؤرخين، مقرونة بوصف “الجنية الخضراء”، حيث ثبت أنها سببت الجنون لبعض مستهلكيها من المشاهير.
بعض الدراسات، تشير إلى أن ذكرها جاء في كتب طبية، تعود إلى زمن الفراعنة في مصر القديمة، وآلاف السنين قبل ميلاد المسيح.  وفي 1875 تحالفت الكنيسة والعلماء والسياسيون والصحافة، من أجل منعها، بسبب التسممات التي تسببها المشروبات المقطرة منها.
استمر الجدل على مر التاريخ، مرة يتم التراجع عن المنع، وتارة يتم إقراره من جديد. وفي فرنسا مثلا، ظلت ممنوعة إلى حدود 2011، حيث صدر قرار، وأقر شروطا معينة، للسماح من جديد بتسويق المشروبات الروحية المستخرجة من “الشيبة”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق