fbpx
ملف عـــــــدالة

تسابق بين الأمن والعلم في الجنايات الغامضة

رفع البصمات والآثار الحمضية بمحيط الجريمة لا يقل أهمية عن استجواب المشتبه فيهم

كلما انطلق تحقيق في جريمة ما، إلا وشوهد عدد من عناصر الشرطة العلمية والتقنية، سواء التابعين للمديرية العامة للأمن الوطني، أو العاملين بمختبر الدرك الملكي.
وبقدر ما يبذل ضباط الشرطة القضائية جهودا مكثفة للوصول إلى حقيقة الجريمة، وتحديد هوية مرتكبها، من خلال التحريات الميدانية وجمع الأدلة والقرائن لتقديمها إلى النيابة العامة، بقدر ما يحاول التقنيون وخبراء الطب الشرعي الوصول إلى الحقيقة بطرقهم الخاصة، عن طريق رفع البصمات ومحيط الجريمة للبحث عن آثار أو علامات قد تحدد هوية الجاني، وحتى إذا ما تعذر تحقيق هذا الأمر في الميدان، يسلكون سبيلا آخر، وهو تحليل الحمض النووي عن طريق الخبرة الجينية.
يشار إلى أن الأحماض النووية هي التي تسبب الاختلاف بين البشر، وذلك من حيث الشكل واللون. وقد تم اكتشاف الشكل الأساسي للحمض النووي  في منتصف القرن الماضي، مما ساعد في التعرف على الكثير من المعلومات المتعلقة بكيفية تخزين وحفظ المعلومات الوراثية وكيفية نقلها من جيل لآخر، والأهم، هو الكشف عن ألغاز جرائم كبرى، حيرت الأجهزة الأمنية لفترات طويلة.
وفي واقع الأمر، غالبا ما تعرف تداخل «الاختصاصات» ما بين ضباط الشرطة القضائية وخبراء الشرطة العلمية بعض المنافسة، والصراع المحموم للوصول إلى الحقيقة وكشف لبس جريمة ما. وبينما يظل المحققون في متاهات ومسالك شتى، ويتعقبون المشتبه فيهم ويحاولون إيجاد الحقيقة مهما كلفهم ذلك من وقت وجهد، ومخاطرة، يحرص خبراء الشرطة التقنية والعلمية على نقل عينات من الحمض النووي إلى المختبر، وهناك يشرعون في استنطاقها لتحديد ظروف وملابسات وقوع الجريمة، والحالة التي كان عليها الهالك قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، فتصبح، بالتالي، إمكانية تحديد الفاعل في غاية البساطة.
وغالبا ما استغرق المحققون وقتا طويلا، ولا يتمكنون من تحديد هوية الجاني في جريمة معقدة ما، إلى أن جاءت الخبرة الطبية لتكشف نتائجها أسرارا كثيرة، وتشير بأصابع الاتهام، بشكل لا يقبل المجادلة، إلى المتورط الحقيقي، والذي قد يكون إلى آخر لحظة، بعيدا عن لائحة المشتبه فيهم، فيتم وضعه رهن الحراسة النظرية أو الاعتقال الاحتياطي كإجراء احترازي، وبعد تعميق البحث والتحقيق معه، ومواجهته بنتائج الخبرة، ينهار، ويعترف بكل شيء. كما أن ضباط الشرطة القضائية غالبا ما يكشفون جرائم في ظرفيات زمنية قياسية، وينتظرون نتائج الخبرة الطبية، التي أصبحوا ملزمين بالحصول عليها وتقديمها إلى قضاة النيابة العامة أو التحقيق، على سبيل تعزيز الحجج والقرائن ودعمها.
ويتضح بذلك أن الخبرة الشرعية في المجال الجنائي، وتحريات الشرطة القضائية، جزء لا يتجزأ من عمل مساعدي العدالة في المغرب، لأنهما معا يشكلان قاسما مشتركا لا يمكن الاستغناء أبدا عن أحدهما.

محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق