fbpx
ملف عـــــــدالة

أربع خبرات على وثيقة بنتائج مختلفة

تناقضات ما بين نتائج مختبر الشرطة والدرك والخبراء الأحرار تطرح مشكل الخبرة

المنطق السليم يقتضي أن خبرة تنجز على وثيقة واحدة من قبل مجموعة خبراء لهم التكوين نفسه ويستعملون الأساليب والتقنيات نفسها، من المؤكد أن تؤدي إلى نتيجة واحدة، غير أن هذا المنطق السليم لا يحترم، إذ نجد أن هناك حالات عديدة جاءت فيها نتائج متناقضة ما بين مختبر الدرك ومختبر الشرطة، وأحيانا ما بين خبراء قطاع خاص وخبراء قطاع عام. وحتى نقرب الصورة نضرب مثالا بقضية نظرت فيها المحكمة أخيرا وصدر بشأنها حكم قضائي نهائي، يتعلق الأمر هنا بملف يتهم فيه شخص شقيقين بتزوير توقيعه على عقد يقر بموجبه بتفويته لهما قطعة أرضية مساحتها 48 هكتارا على وجه الصدقة.
الرجل طعن في العقد وأكد أن من غير المعقول أن يتصدق شخص له زوجة وأبناء ب48 هكتارا  في منطقة في المجال الحضري وتفوق قيمتها عشرة ملايير سنتيم إلى غرباء، وتشبث بالطعن في العقد، في حين يقول الشقيقان إن العقد موقع من قبله وإنه أقدم على هذا الإجراء بعد أن اعتنى به الشقيقان في الوقت الذي تخلى فيه أبناؤه عنه.
المحكمة بدأت في مناقشة الملف، وطلب دفاع المتهمين إجراء خبرة على العقد حتى يؤكدوا لهيأة المحكمة صحة أقوال موكليهم وبراءتهما من تهمة التزوير التي توبعا بها من قبل النيابة العامة، استجابت المحكمة، رغبة منها في الوصول إلى الحقيقة، لطلب الدفاع وتقرر إجراء الخبرة.
في الجلسة الموالية عاد الدفاع وبمحفظته تقارير خبرة على توقيع المشتكي، يؤكد فيها ثلاثة خبراء أن التوقيع المضمن في عقد الصدقة هو توقيع المشتكي وأنه مطابق له، مطالبين بالحكم لصالح موكليهما والقول بصحة عقد الصدقة، وهو ما أثار دفاع الطرف المدني الذي طالب بدوره بخبرة مضادة أوكلت إلى خبير رابع جاء تقريره مخالفا لتقرير زملائه الثلاثة ليقول إن التوقيع مزور، بل الأكثر من هذا حضر الخبير الرابع أمام هيأة المحكمة وشرح لها كيفية وصوله إلى هذه النتيجة والوسائل التي استعملها.
وجدت المحكمة نفسها أمام تقريرين متناقضين، وتناول دفاع الطرف المدني الكلمة ليؤكد أن الخبرات الثلاث تمت تحت الطلب، وان أيا من الخبراء لم ينجزها، بل تكفل بها شخص له مصلحة في الملف وطلب منهم التوقيع عليها، مطالبا باستبعاد هذه الخبرات الثلاث، بل ومشككا في مصداقية من أجبروها على اعتبار أن منهم من شطب عليه في قضايا أمام المحاكم.
استبعدت المحكمة تقرير الخبرات الأربع بعد أن جاءت نتائجها مختلفة، واحتكمت إلى ما راج أمامها وما يفرضه العقل السليم وقررت بطلان عقد الصدقة ومتابعة الشقيقين بالتزوير.
يكشف هذا الملف بعض ما يجري في قطاع يفترض أنه يساعد القضاء على الوصول إلى الحقيقة، وقد يتسبب عدم الصدق فيه إلى إدانة أبرياء أو تبرئة متهمين، غير أنه إذا كان الخلاف في النتيجة «مفهوما» إذا كان صادرا عن خبراء القطاع الخاص، إذا ما استحضرنا إمكانيات إغرائهم بمبالغ مالية مهمة، وسعي بعضهم إلى الربح بشتى الوسائل، فإن المشكل يطرح بشكل كبير حينما يتعلق الأمر بجهازين تابعين للدولة، ونقصد هنا مختبري الشرطة والدرك اللذين يعتمدان على خبراء متخصصين ووسائل متشابهة ومع ذلك تصدر عنهما نتائج مختلفة.
نموذج لهذا الاختلاف غير المفهوم حكاية شيك يحمل مبلغا ماليا مهما يقول شخص إنه لا يحمل توقيعه وإنه زور من أجل توريطه، في حين يقول الطرف الثاني إن التوقيع توقيعه وأنه يريد أن يتهرب من أدائه المبلغ المالي المكتوب به، فما كان أمام هيأة المحكمة إلا أن لجأت إلى خبرة الدرك وبعد ذلك الشرطة، غير أن النتائج لم تكن حاسمة وعرفت اختلافا من قبل الجهازين معا.
وهذه حالة واحدة من العديد من الحالات التي تضع عمل هذين الجهازين موضع تساؤل، وتعيد طرح السؤال نفسه، كيف يختلف جهازان أجريا خبرة على وثيقة واحدة وباستعمال الآليات والوسائل نفسها؟

الصديق بوكزول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق