fbpx
حوادث

دراسة في القانون : المفوض القضائي الحلقة المفقودة في مشروع قانون المسطرة المدنية

مؤسسة قاضي التنفيذ مأخوذة عن قانون الإجراءات العثماني

نص قانون المسطرة المدنية الحالي في المادة 429 منه والمعدل بمقتضى قانون رقم 03.72 على» يكلف قاض بمتابعة إجراءات التنفيذ يعين من قبل رئيس المحكمة الابتدائية باقتراح من الجمعية العامة» والمادة2 من القانون رقم95.53 المتعلق بإحداث المحاكم التجارية. فرغم وجود هذين النصين، إلا أنه لا يمكن لنا الحديث عن وجود مؤسسة قاضي التنفيذ، كما هو معروف في القوانين المقارنة ،وأن إشكالية التنفيذ وما يلحق بها من طعون وطلبات، تبقى من اختصاص رئيس المحكمة الابتدائية ،وهذا ما دفع بواضعي «مشروع» قانون المسطرة المدنية إلى أحدات مؤسسة قاضي التنفيذ، والذي أسندت له عدة اختصاصات يمكن إجمالها في׃
– إصدار أوامر متعلقة بالتنفيذ.
– الإشراف على إجراءات التنفيذ.
– البت في صعوبات التنفيذ الوقتية.
– منح المهل الاسترحامية.
– بيع القيم المنقولة بالمزاد العلني بما في ذلك تحديد موعد لإجراء البيع.
– تحديد الثمن الافتتاحي لبيع الأصل التجاري بعد إجراء الخبرة وكذا الشروط الأساسية للبيع.
– تحديد يوم وساعة إجراء البيع بالمزاد العلني للعقار.
– إعداد مشروع توزيع حصيلة التنفيذ إذ كانت هذه الحصيلة غير كافية.
ويتضح من خلال هاته المقتضيات وما ورد في المواد529 و530 و552 و555، أن واضعي «المشروع» منحوا قاضي التنفيذ سلطة التدخل في إجراءات التنفيذ، ولم يقتصر الأمر على مجرد الإشراف والبت في الطلبات التي قد تعرض عليه بصفته القضائية والولائية فحسب، بل من المآخذ التي سجلت أيضا في هذا السياق، أن القرارات والأوامر والأحكام المذيلة بالصيغة التنفيذية تستلزمها موافقة قاضي التنفيذ بأمر قضائي وفق شكليات محددة في القانون، وفي هذا الاتجاه مخالفة للمنطق القانوني السليم الذي يفترض فيه اليسر والسلاسة، لا تعقيد المساطر بإجراءات إضافية. وبناء عليه يمكن القول بأن مؤسسة قاضي التنفيذ المستحدثة مأخوذة والى حد كبير عن قانون الإجراءات العثماني، والذي يعتبر أن ولاية القاضي يندرج ضمنها التنفيذ، وهذا ما نهجته بعض الدول العربية كما هو الشأن بالنسبة إلى سوريا والعراق ولبنان وكذلك مصر في ظل أحكام قانون المرافعات رقم 88 لسنة 1949 الذي أخذ بنظام قاضي التنفيذ الذي يشتغل تحت إشرافه مأمورو التنفيذ»المحضرون».
 وفي إطار مشروع قانون المرافعات رقم13 لسنة 1968 تم تبني الرقابة اللاحقة على إجراءات التنفيذ، فالطلب يقدم إلى» المحضر» باعتباره مساعدا للقضاء حيث يتخذ ما يلزم من الإجراءات بدل الحصول على الإذن المسبق لقاضي التنفيذ، إلا أن القانون أوجب على» المحضر» عرض الملف عليه عقب كل إجراء ليتخذ ما يراه مناسبا.
عكس ما جاء في المادتين 552 و555 من مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية الذي ينص على ضرورة الحصول على أمر قضائي قبل مباشرة إجراءات التنفيذ، ما يعني تكريس وتعميق تبعية  المفوض القضائي لمؤسسة قاضي التنفيذ بدون مراعاة أنتولوجية وخصائص المهنة التي تميزها عن باقي مكونات الجسم القضائي.  
أما بالنسبة إلى القانون الفرنسي، فقد تم تنظيم هذه المؤسسة أي مؤسسة قاضي التنفيذ بمقتضى قانون رقم 650-91 صادر بتاريخ 9 يوليوز 1991 والمرسوم التطبيقي الصادر بتاريخ 31 يوليوز1992 والمعدل للتنظيم القضائي، حيث نص على وجود قاض للتنفيذ لكل محكمة ابتدائية كبرى بصفته قاضيا منفردا، ويمكن إحالة النزاع أيضا على الهيأة الجماعية بالصفة نفسها وينظر قاضي التنفيذ من خلال القانون الفرنسي في المنازعات المتعلقة بالتنفيذ وفي صعوبات التنفيذ كما يدخل ضمن اختصاصه إصدار أوامر ولائية كالإجراءات التحفظية والنظر في الطلبات المتعلقة بإيقاف التنفيذ.
 وهذه الأوامر لا تقبل الطعن بالتعرض، ولكن يمكن الطعن فيها بالاستئناف، ومن هنا يتضح أن دور مؤسسة قاضي التنفيذ هي الإشراف على إجراءات التنفيذ والنظر في الطلبات التي تقدم من الأطراف، أو ترفع من قبل المفوض القضائي لمناسبة قيامه بعمله، حيث يبقى هذا الأخير وحده هو المسؤول دون تدخل من القاضي.
وإن كان بعض الفقه في المغرب في إطار المقارنة بين مؤسسة  قاضي التنفيذ وقاضي متابعة إجراءات التنفيذ، يحاول إيجاد تبرير لتدخل قاضي التنفيذ بشكل قطعي في هاته الإجراءات، في حين ينبغي أن ينحصر دور هاته المؤسسة القضائية في الإشراف كما هو واضح في النموذج الفرنسي، وهو الاختصاص الذي يخول لقاضي التنفيذ سلطة البت في المنازعات المرتبطة بالتنفيذ ذات الطبيعة القضائية أو ذات الطبيعة الولائية التي لا تحسم في الجوهر.
ولقد ذهب بعض الفقه في تصورهم لهاته المؤسسة «مؤسسة قاضي التنفيذ» وقبل دخول قانون 81/03 المنظم لمهنة المفوض القضائي إلى اعتبار الأعوان القضائيين في علاقتهم بقاضي التنفيذ مجرد مأموري التنفيذ والهدف من ذلك هو إخضاعهم لإشرافه ومراقبته وفي هذا تدخل كامل وتام  في إجراءات التنفيذ مما يعني أن «مشروع» قانون المسطرة المدنية في هذا الشق لم يأت من فراغ بل بني على اعتبارات وتصورات سابقة تهدف إلى تمكين قاضي التنفيذ من آليات قانونية وتشريعية تساعده  وتمنحه سلطة نافذة ومؤثرة في إطار الرقابة على هذه الإجراءات كما هو الشأن بالنسبة إلى قانون العثماني والمصري الذي سار على النهج نفسه، وكذا القانون اللبناني حيث جاء في المادة 278 من قانون الإجراءات المصري  حيث يجري التنفيذ تحت إشراف قاضي التنفيذ ويعاونه عدد كاف من المحضرين وإن كان طلب التنفيذ يقدم إلى المحضر بصفته معاونا فانه ملزم بعرض الأمر على قاضي التنفيذ عقب كل إجراء يتم من قبل مأمور الإجراء، وهو الاتجاه نفسه الذي أخذت به مسودة مشروع  قانون المسطرة المدنية المغربي من خلال ما هو مكرس في المادة 529 الذي نص على أنه ينوب عن قاضي التنفيذ في مهامه عند الاقتضاء قاض أو أكثر يعين بالطريقة نفسها ويساعده عدد كاف من الموظفين والمكلفين بالتنفيذ وحسب المادة 530 يختص قاضي التنفيذ دون غيره بإصدار الأوامر المتعلقة بالتنفيذ كما يتولى الإشراف ومراقبة سائر إجراءات التنفيذ.مما يؤكد  قطعيا توجه «مشروع «قانون المسطرة المدنية إلى جعل المفوض القضائي مجرد مأمور وبالتالي الانسلاخ عن الإطار القانوني للمهنة وعن الدور المنوط به مؤسسة، المفروض أنها فاعلة في تحقيق التوازن داخل منظومة العدالة.

بقلـم :   ذ  محمد القوص 

  مفوض قضائي بفاس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى