حوادث

دراسة في القانون : دور الجمعيات المهنية والمدنية في الدفاع عن استقلال القضاء

وزارة العدل تحشر نفسها في تأسيس العمل الجمعوي

يتضح هذا أكثر في الصيغة الأولى لهذه المشاريع، التي أصدرتها وزارة العدل، أي صيغة أكتوبر 2013، حيث تم تقييد الجمعيات المهنية للقضاة بمجموعة من القيود، منها ما يتعلق بالإنشاء ومنها ما يتعلق باستمرارها وكذا وسائل عملها والأمر نفسه استمر مع نسختي دجنبر 2013 مع بعض التعديلات التي تهم الإنشاء والاستمرار.  أما وسائل عمل الجمعيات فقد ظلت كما هي، مع أننا نرى أن ممارسة الحق الجمعوي للقضاة ورد في الدستور بشكل مطلق ودون شروط متعلقة بالتأسيس، والشرطان الوحيدان اللذان تحدثا عنهما الدستور هما احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء، وهما شرطان يتعلقان بممارسة الجمعيات لعملها وليس بتأسيسها، لذلك نرى أن القانونين التنظيميين  المشار إليهما أعلاه، يجب ألا يتضمنا أي إشارة إلى هذا، وأن أي تنظيم له يجب أن يكون في القانون العادي، أي قانون الجمعيات وهو المقتضى المنصوص عليه في الفقرة الثانية من الفصل 111 من الدستور، التي نصت على أنه :» يمكن للقضاة الانخراط في جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية، مع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء، وطبقا للشروط المنصوص عليها في القانون»، أي القانون العادي وليس التنظيمي أي ظهير 1958 حاليا.
وإذا رجعنا إلى مقتضيات المسودتين، اللتين هما محل انتقاد كبير من طرف كافة الجمعيات المهنية القضائية بدون استثناء، حتى تلك التي شاركت في الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة ( وأحيلكم هنا على البلاغ المشترك لهذه الجمعيات شهر نونبر 2013 )، فإننا سوف نجد أن هذه المشاريع تحاول أن تفرغ العمل الجمعوي من محتواه، وتحوله إلى مجرد عمل ثقافي لا أقل ولا أكثر، أو جمعيات صامتة كما عبر عن ذلك أحد قياديي جمعية نادي قضاة المغرب، وسوف نقوم بالتدليل على هذا الأمر بعدة مقتضيات من هذين المشروعين.
من ذلك مثلا، منع جميع وسائل الدفاع عن أهداف الجمعيات المهنية عن طريق الاحتجاج، وذلك باستعمال عبارات فضفاضة تتسع لاستيعاب حالات متعددة من الممارسة الجمعوية، من قبيل الالتزام بالأخلاقيات القضائية وعدم عرقلة السير العادي للمحاكم واحترام مدونة السلوك، مع أن الأخيرة حسب المشروعين، سوف يتكلف بإعدادها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهو ما سوف يمثل فرض التزامات جديدة على القضاة خارجة عن القانون التنظيمي الذي تتولى المحكمة الدستورية مراقبته، إذ يمكن أن يتم خنق الحركة الجمعوية للقضاة بمقتضى مدونة السلوك هاته، وهي غير خاضعة لا للرقابة البرلمانية ولا للمحكمة الدستورية، وهو ما حصل في الجارة الجزائر، حيث تم إلجام حركية القضاة بمدونة أخلاقية تم وضعها خارج نطاق القانون المنظم لمهنتهم، وحيث تتم  إحالة كل مخالف لها على المجلس التأديبي  .
المثال الثاني يتعلق بحشر وزارة العدل نفسها في تأسيس العمل الجمعوي، حيث يتبين ذلك من خلال المادة 92 من المشروع التي نصت على أنه «يشعر رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بتأسيس كل جمعية مهنية للقضاة، السلطة الحكومية المكلفة بالعدل التي تتولى إشعار وزارة الداخلية والأمانة العامة للحكومة». أتساءل لماذا كثرة هذه الوساطات: المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارتا العدل والداخلية والأمانة العامة للحكومة، نحن نرى أن الدستور أحال على القانون العادي، وبالتالي لا داعي لهذه المسطرة من أساسها. ونحن نرى أن من يريد تأسيس جمعية من القضاة عليه أن يقوم بوضع ملفه لدى السلطات وفقا للمادة الخامسة من ظهير 1958، لأنه إن وقع تعسف من هذه السلطة، سوف يقوم الأعضاء المؤسسون بممارسة حقهم القانوني في الدفاع، بخلاف ما إذا تعلق الأمر بالمسطرة المنصوص عليها في مشروع القانون الأساسي للقضاة، حيث إن مواجهة المجلس أو رئيسه المنتدب في حال التعسف سوف تجعل المؤسسين مترددين لأنهم يعلمون أن مصيرهم الوظيفي بيد المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيسه.
المثال الثالث يتعلق بالجهة المختصة قضائيا للبت في بطلان الجمعية المهنية أو حلها، إذ أن المشروع أحال بشأنها على الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، وهذا فيه أولا إهدار لحق التقاضي على درجتين الممنوح لجميع المواطنين، فضلا عن وضع الرئيس الأول لمحكمة النقض في حرج كبير مع القضاة، إذ كيف يمكن أن يطلب حل جمعية أو بطلانها من طرف غرفة إدارية في محكمة هو يرأسها ؟
المثال الرابع وهو المنصوص عليه في المادة 119 والتي جاء فيها ما يلي: «يجب على الجمعيات المهنية للقضاة القائمة في تاريخ نشر هذا القانون التنظيمي بالجريدة الرسمية، العمل على ملاءمة وضعيتها مع أحكامه خلال أجل ستة (6) أشهر من تاريخ تنصيب أول مجلس أعلى للسلطة القضائية»، فهذه المادة تخرق أهم مبدأ قانوني وهو مبدأ عدم رجعية القوانين.
المثال الخامس : وللتدليل أكثر على أن المشروعين استهدفا تقييد العمل الجمعوي للقضاة، هو أننا لا نجد أي إشارة إلى حقوق هذه الجمعيات لا من حيث النص على ضرورة منح المسيرين لها التسهيلات اللازمة لأداء مهامهم كما هو جار به العمل في قطاعات الوظيفة العمومية، ولا صلاحيات رمزية أعطيت لها كحضور دورات المجلس كملاحظة عند البت في الوضعية الفردية للقضاة ولا غير ذلك.
هذه بعض الأمثلة على محاولة محاصرة العمل الجمعوي للقضاة، لكن أؤكد أن الخطر الكبير الذي يتهدد الكيانات القضائية هو المفهوم الواسع لواجب التحفظ وتعمد عدم تحديده، إذ يتم اللجوء إلى هذا المفهوم كلما تم الاحتياج إليه، وفي كثير من الأحيان يتم اللجوء إليه لضرب استقلالية القضاء والقاضي والحد منها وهذا فيه خطر على المجتمع أولا وليس القاضي فقط.
 بقلـم : د.عبد اللطيف الشنتوف

رئيس المرصد الوطني لاستقلال السلطة القضائية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق