من جحيم أوفقير إلى زنازين البركاوية بالجزائر ذات يوم، وعلى حين غفلة، ينادى علي من مكتب بجوار باب السجن. ما الجديد إذن؟ استئناف التحقيق؟ زيارة وفد ما؟حيرتي تحولت إلى مفاجأة، حين قدمت لي أوراق التوقيع على سراح مؤقت... هل أفرح؟... هل أظهر ارتباكي؟ اقتنعت في الحال بأن علي أن أصمد من جديد. كان الوقت مساء حوالي الساعة السادسة والنصف...يا آبتي.... في أي اتجاه؟ أي مصير ينتظرني في هذه الصحراء؟ لا وسيلة للنقل، طلب مني الانتظار، أشاروا إلى بالرجوع إلى الزنزانة لأقضي الليلة بها.الخروج من السجن بات مؤكدا، لأن هناك ورقة رسمية تشهد بذلك، لكن في أي اتجاه."يصبح ويفتح" قلت، وستريني الأيام ما أجهله.في الصباح، فتحت الزنزانة، تسلمت بعضا من أمتعتي، وجزءا آخر احتفظ به الأمن العسكري إلى يومنا هذا.فتح باب السجن. سيارة جاهزة أمام الباب. فتح بابها الخلفي لوضع أمتعتي، يا لها من مفاجأة، والمفاجئة أيضا أن الدكتور يتقدم لمعانقتي، تتذكرون الحكيم سفير الذي أشرف على تعذيبي، كبر السؤال إلى أين يمكنه أن يتجه بي إلى الحدود المغربية الجزائرية؟. إلى أحد المعتقلات السرية؟ إلى بيتي؟ كل شيء ممكن؟بقيت صامتا، أنتظر خيطا يكشف مسار رحلتي.سألني الحكيم عن ظروف السجن....طريقة التعامل... شكل تعاطي الإدارة، احتطت في الإجابة وخضت في العموميات، تحدث هو عن الإدارة، لم أعد أتذكر ماذا قال لأن الموضوع لم يكن يهمني، وكنت أفكر في تغييره، أثارني تشغيله لشريط موسيقي أثناء السياقة، استغربت هل هذا الكائن يحب الموسيقى؟ هل له علاقة بعوالمنا الجميلة؟كانت يده اليسرى محاطة بالجبص، مصابة بكسر ولا يستطيع تحريكها، فاهتديت لتغيير الموضوع، سألته فجأة ماذا حل بك، إن شاء الله خير، أجاب بأن يده تعرضت للكسر أثناء التزحلق على الجليد، إذ تقطعت كوابح الدراجة، فوقع...اعتبرت جوابه كذبة، خدعة... فتخميناتي كانت تقول بأن الكسر جاء نتيجة... " اقتحام منزل" أحد المعارضين، أو عراك مع بعض المختطفين. سألني أين أريد أن اتجه ارتحت ... أصبح الاختيار بيدي.بغتة، قلت إلى الحيدرة عند أحد الإخوة.... وكان وراء قراري في الحقيقة أن لا تستقبلني العائلة وأنا على هذا الحال، فقد كنت أفضل تغيير ملابسي، وتحسين مظهري الخارجي قبيل أن أطأ عتبة البيت، لأتقدم نحو العائلة على أحسن حال...لكن ما لم انتبه إليه أن تغيرات كثيرة قد لحقتني في شخصي وهيكلي، نحافة جسمي، وأني صرت أمشي مقوس الظهر، وهو تطور لم أكن أشعر به مع مرور الأيام على هذا المستوى.إن الناس من خارج السجن يهتمون ويلاحظون هذه الجوانب عند أشباه البشر داخل السجن.خديجة المرحومة زوجتي، لم تتملك مشاعرها لحظة العناق. تساءلت "مالك هكذا" صدمني السؤال، فاجأني، أنا تغير في شيء ما..الطفلتان بثينة وأميمة مشدوهتان، في حالة غير سوية، أميمة الأصغر لازمها الحذر..... قد يكون السبب اعتقالي أمامها.... لغيابي ولزيارتي في ظروف غير عادية، لحالة توتر الأم وعصبيتها الدائمة.المهم أن أميمة ستلزمها هذه الحالة... ولا يزال فيها شيء من ذلك إلى يومنا هذا.بدأت الوفود في زيارة بيتي تباعا. وفي مقدمتهم الدكتور ماخوس وزير خارجية سوريا الأسبق.وفود عن حركات التحرير وقياديو الأحزاب، والحركات المقيمة بالجزائر، الكل كان يتحدث عن تدخل حزبه لدى السلطات الجزائرية، ولا أدري صحة خبر من تدخل ومن لم تدخل.زارني وفد من زعماء القبائل وعلى رأسهم سي إسماعيل ومن كانوا معي في السجن، وكان بعض أفراد وفد هذه القبائل على علاقة بعائلة عبد الكريم الخطابي.المكالمات الهاتفية لا تنقطع من عدة بلدان، اسبانيا، فرنسا، بلجيكا، هولاندا، المغرب.....مكالمة من والدي مسعود الطالبي، ومن صهري الحسين الخضار.والدي يلح ويستفسر فقط هل تعرضت للتعذيب، قلت له مجرد حجز..لم يتركوا لي حتى فرصة لأخذ النفس، لتبدأ الضغوط فورا.عشتم معي مراحل الاعتقال التعسفي، ورافقتموني في رحلة الظروف القاسية كما عشتها في سجن البرواكية ذي التاريخ الأسود قبيل الثورة وبعدها.وستستبشرون خيرا حين أطلق سراحي، وستتوقعون حلولا تلائم وضعيتي كلاجئ سياسي في بلد شقيق.منذ إطلاق سراحي سيحتفظ بي رهينة، إذ فرضت على الإقامة الجبرية إلى سنة 1990، بحيث منعت من مغادرة العاصمة، وكان بيتي تحت الحراسة وبالمداومة.في محاولة مني لقضاء حفلة العيد صحبة عائلتي بوهران، الأمن العسكري عكر فرحة العيد على الأبناء، إذ تمت المناداة علي للالتحاق فورا بالعاصمة.لقد مورس علي أثناء الإقامة الجبرية كل أنواع الترهيب والمساومة والضغط لإسكاتي.وسأمنع من مزاولة أي شغل شأن زوجتي حيث منعت من العمل هي أيضا. وقد سبق أن قمت بتسجيل نفسي بالجامعة لنيل الدكتوراه بواسطة صديقي المرحوم الدكتور عبد المجيد أزيان، عميد الجامعة الجزائرية و وزير سابق، إلا أنه وبعد خروجي من السجن، منعت من مناقشة أطروحتي التي اعتقلت معي، وكانت حول الشاعر المغربي الطاهر الأفراني البكري، شاعر رافق أحمد الهيبة في كل مراحل حركته التحررية.سيتفاقم وضعي العائلي... ويتأزم أكثر، خاصة بعد المحنة وأنواع الإهانة التي عاشتها الزوجة والأطفال، خلال فترات التحقيق العسكري، حيث لم يعرفوا مكان وجودي إلا خلال مرحلة السجن، إذ امتدت سنة ونصف.اضطرت زوجتي للالتحاق بالمغرب صحبة الأطفال ريثما يوضع حد للإقامة الجبرية المفروضة علي.بحلولها بالمغرب، التحق الأطفال بالدراسة، فوجدوا صعوبة في الاندماج، مع الرفض التلقائي للتسجيل، غير أن الوضع سرعان ما تبدد، بفضل احتضان الأم ودعم العائلة، فتوفق الأطفال في الدراسة واستطاعوا احتلال الرتب الأولى في القسم.بعد تجربة سنة بالمغرب، ونتيجة انعدام أي أفق لتسوية وضعيتي تعود العائلة للجزائر مكرهة وحاملة انكساراتها، ليواجه الأطفال من جديد مشاكل في الدراسة لاختلاف المناهج... وبعد فترة سيتفوق الأطفال في الدراسة.بعد قضاء فترة تجريبية في الجزائر وانتظار امكانية ما لتسوية الوضع... وحين تبين أنه لا طائل يرجى، وحيث انسدت الآفاق، وتشكلت خيبة أمل حقيقة.... ولم تعد أي إمكانية لاستمرار العائلة في الجزائر، قررت الدخول النهائي للمغرب، فيما بقيت أنا تحت الإقامة الجبرية، منفردا، معزولا، لا شغل، لا أفاق، أجتر حياة النفي في بؤس وشقاء. إعداد: يوسف الساكت