ملف عـــــــدالة

العلبة السوداء لعمليات التنصت على المكالمات

خبراء يستقرون في “مراكز اتصال جهوية” لاستراق السمع باستخدام برامج اقتنتها الداخلية من أمريكا

كثيرا ما أسفرت عمليات التنصت على الهواتف المحمولة في المغرب، التي تباشرها الأجهزة الاستخباراتية بإذن من قضاة التحقيق أو الوكلاء العامين للملك، على مكالمات واتصالات مسؤولين إداريين ومنتخبين وضباطا في بعض الأجهزة، عن كشف تورط بعضهم في شبكات وتنظيمات إرهابية أو إجرامية في ملفات فساد واتجار دولي في المخدرات.
وقد تلجأ الأجهزة المعنية إلى وضع أرقام هواتف بعض المشتبه فيهم، سواء كانوا يعملون في بعض إدارات الدولة، أو أشخاصا مستقلين، بأمر من السلطة القضائية المختصة، بعد التوصل بتقارير عن تورط بعض المسؤولين ورموز الفساد في ممارسات مخلة بالقانون، من قبيل جرائم الارتشاء والتستر على شبكات الاتجار في المخدرات وتهريبها، أو ملفات فساد انتخابية أو إدارية. وبناء على نتائج عمليات التنصت تلك، يتم استدعاء المشتبه فيهم، ويواجهون بما ورد في مكالماتهم.
وقد لا يحتاج المحققون أكثر من دلائل عن مكالمات أجريت بين بعض الأطراف، في فترات زمنية معينة، لذلك تكون شركات الاتصالات المعنية ملزمة، طبقا للقانون، بتزويد الأجهزة الأمنية أو السلطات القضائية المعنية بكافة التفاصيل عن المكالمات التي يجريها زبائنها المطلوبون إلى العدالة. وعلى ضوء تلك البيانات والمعطيات، يتم ترتيب الجزاءات القانونية اللازمة.
وتشير معلومات أخرى إلى أن المتنصتين على الهواتف المحمولة والثابتة يستقرون في مراكز اتصال جهوية، يتتبعون فيها، طيلة ساعات اليوم، مكالمات عدد من المشتبه في صلتهم بشبكات لتهريب المخدرات على الصعيد الدولي، وذلك بواسطة أجهزة تنصت عالية المستوى، اقتنتها وزارة الداخلية في أوقات سابقة من الولايات المتحدة الأمريكية، تنجح في التقاط أي مكالمة مشبوهة، وقراءة ما بين سطورها، خصوصا أن بعض الإرهابيين وأعضاء التنظيمات الإجرامية يلجؤون إلى استعمال لغة معقدة، تسعى إلى التمويه والتضليل، لأنها غالبا ما تكون على علم بأن مكالماتها تخضع للمراقبة.
ومن تقنيات التوصل إلى هؤلاء الأفراد والتنظيمات، من طرف التقارير الأمنية، تسجيل المكالمات التي يجرونها مع بعضهم البعض، قبل معرفة مضمونها. وتسخر الدولة للأجهزة الأمنية كل ما تحتاجه من آليات وإمكانيات مادية ولوجيستية، لضمان مراقبة دقيقة لما يجري في الحملات الانتخابية، أو في اتصالات المشتبه في انتمائهم إلى شبكات إرهاب أو فساد أو إجرام. ولتحقيق فعالية أفضل وأداء في المستوى المطلوب، يتم تجنيد العديد من تقنيي الاتصالات، في مصالح تابعة لوزاة الداخلية، لتتبع اتصالات عدد من المشتبه في علاقتهم بتنظيمات إرهابية أو مافيات إجرامية أو مفسدي انتخابات.
وبموجب التنسيق المشترك بين وزارتي العدل والداخلية، تعطى الصلاحية الكاملة لرجال الاستخبارات من أجل وضع هواتف بعض المرشحين للانتخابات أو المشتبه في انتمائهم إلى خلايا إرهابية أو إجرامية، تحت المراقبة، خصوصا المعروفين لدى الأجهزة.
وإذا كان البعض يرى أن من البديهي أن يكون لأي دولة جهاز أمني خاص، يسعى إلى تثبيت الأمن وحماية المواطنين ومصالحهم من أي خطر يهددهم، سواء من الداخل أو الخارج، من خلال التنصت على هواتف المشتبه فيهم، يؤكد آخرون أنهم سجلوا حالات تنصت على مكالمات أشخاص لا تتوفر فيهم الشروط المنصوص عليها في المادة 108 من القانون الجنائي، لأن المادة ذاتها تتكلم عن جرائم تمس أمن الدولة، وهي الإرهاب والتهريب ومختلف الجرائم المماثلة، كما أن نتائج التنصت على مكالمات بعض الأفراد كانت هي القاعدة في توجيه الاتهام، كما هو الحال بالنسبة إلى المرشحين في انتخابات ثلث مجلس المستشارين، قبل بضعة سنوات.
يشار إلى أن الحكومة كانت أحالت على البرلمان مقترحي قانونين، يتعلقان بتعديل مواد القانون الجنائي المغربي الذي ينص على مسطرة التنصت على المكالمات، لكن بعض الفرق البرلمانية اعترضت بشدة على ذلك، لاعتبارها عمليات التنصت «مسا بالحرية الشخصية للمواطنين، ولا يمكن اعتمادها قاعدة لتوجيه الاتهام، لأن الأصل، كما ينص على ذلك الفصل 11 من الدستور، يحرم انتهاك سرية المكالمات، وإلا سنكون كلنا في سراح مؤقت»، كما جاء في مداخلة لرئيس إحدى الفرق المعارضة لتعديل هذا القانون، ذات «إحاطة علما» في مجلس المستشارين، والذي يبدو أنه متخوف، شأنه شأن غيره من البرلمانيين المستشارين، من التنصت على هاتفه المحمول خلال الحملات الانتخابية.

محمد البودالي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق