fbpx
وطنية

الأخطاء التي تدمر الأوطان

لم يوفّر أحدٌ شرعيةً للنظام السوري كما وفّرت له المعارضة / المعارضات الشرعية التي بات يحتاج إليها منذ مارس 2011، فالمعارضة – لا غيرها – من يُقْنِع السوريين، اليوم، بأن نظامَهم أقلٌّ وطأةً عليهم منها، وأنها لم تقترح عليهم أفقاً للتغيير الديمقراطي، مثلما ظنوا يوماً، وإنما أخذتْهُم بخياراتها السياسية غير المحسوبة إلى ما وصلوا اليه، اليوم، من سوء حال.  ليس هذا موقفاً شخصيّاً من المعارضة السورية، إنه موقف المواطنين السوريين أنفسهم: المقيمين في وطنهم الذي مزقته الحرب والمشرّدين في اللجوء. حتى الذين تعاطفوا منهم مع مطالب المتظاهرين، في ربيع العالم 2011، وأيدوها صراحةً، وتطلعوا إلى يومٍ تصبح فيه مطالب الشباب حقائقَ ووقائع في البلاد، سرعان ما اكتشفوا مقدار ما كانوا مخدوعين وهم يصدّقون وعود “الربيع العربي” وقنواته الفضائية، فلقد أسفرتْ سَكْرَةُ “الثورة” عن بلدٍ خراب، واقتصادٍ مدمِّر، وأمنٍ مستبَاح، وقتْلٍ غزير، وشعب موزّعٍ بين لجوءٍ ونزوح، ووطنٍ ممزَّق، ناهيك بمَن قَضَى في القتال من عشرات الآلاف من الناس! والنتيجة: لا أفق تفتحه “الثورة” أمام البلاد سوى المزيد من الموت، وبأرذل صُوَرِه!
لا يبرّئُ السوريون نظامَهم مما جرى لهم منذ ثلاث سنوات، وإن كان منهم مَن يرى ردَّهُ القاسي على المعارضة المسلّحة مشروعاً. غير أن لا هؤلاء – الذين يتهمونه بمشاركة المسلَّحين في القتل الجماعي وفي تدمير البلاد، ولا أولئكَ الذين يلتمسون له عذراً في اللجوء إلى القسوة الأمنية للردّ على العنف المسلّح – يختلفون في أن قمع النظام للسوريين قبل 15 مارس 2011 كان مجرّد مزحة مقارنة بما سيحصل لهم منذ ثلاث سنوات. وهو ما يعني أنه لولا الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها المعارضة، منذ ذلك الحين، لَما وقَع كلّ هذا الذي وقَع ويقع على رؤوس السوريين.
أعظم أخطاء المعارضة – وهي تدفع ثمنها اليوم – أنها جنحت للخيار العسكري. ليس مهمّاً جدّاً أن نخوض، الآن، في تفاصيل أسباب ذلك الجنوح: هل كان نتيجةَ شعورها بالحاجة إلى الدفاع الذاتي، أم نتيجةَ قراءةٍ خاطئة – متسرّعة – للوضع صوَّرت لها النظامَ القائم ثمرةً طازجة أيْنَع قِطافُها، أم نتيجة ضغطٍ إقليمي ودولي عليها لحمْلِ السلاح في وجه النظام، أم لسبب آخر غير هذه الأسباب…، الأهمّ في الموضوع أن خيار التسلُّح وممارسة الحسم العسكري رتَّبَ على المعارضة والبلد سبعَ نتائج في غاية السوء: أولاها أنه صادر المظاهرات المدنية وأتى على نهجها السلمي، وأدخل عملية “التغيير” في نفق المغامرات المسلّحة، وثانيها أنه وضع المعارضة المسلحة تحت ضغط القوة النارية الهائلة للجيش النظامي، وكشف عن الاختلال الفادح في نسبة القوى بينهما، وثالثتُها أن ذلك شرّع أبواب سورية أمام تدخّلات أجنبية عدّة من قبل قوى خارجية مختلفة: من دولٍ إلى جماعات “جهادية” مستقْدَمة من أصقاع العالم كافة، وخامستُها أن خيار التسلّح جعل قرار المعارضة مرتهناً للقوى الداعمة بالمال والسلاح والقرار السياسي، وسادستُها أن التوغّل في خيار الحسم العسكري أسقط كلّ مبادرات الحلّ السياسي للأزمة أو عطَّلها أو أرجأها إلى تواريخ لاحقة زادت معها الأزمة استفحالاً وتعقُّداً، وسابِعتُها أن سوريةَ الوطنَ والشعبَ والدولةَ والمقدَّرات هي مَن دفع ثمن هذا الخيار الانتحاري المستحيل من أرواح عشرات الآلاف من الناس، ومن أمن واستقرار الملايين، ومن أقوات الناس وأرزاقهم، ومن وحدة الوطن والشعب!
استفاد النظام السوري، أيَّما استفادة، من هذه الكمية الهائلة من الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها المعارضة، منذ ركبت مغامرة الحلّ العسكري قبل عامين ونصف. بَدَا للناس أحرص على أمن الوطن ووحدته، وأقل وطأةً من حال الفوضى المعمَّمة، والاستباحة الشاملة، السائدة في المناطق التي تحت سيطرة قوى المجتمع السوري، تلك الحال من الاقتتال الدائم بين قرى المعارضة السورية المتعددة في تشكيلاتها العسكرية، بتعدُّد رُعاتِها الخارجيين، ثم بينها وبين تنظيم “داعش” الزاحف على بلاد الشام من بلاد الرافدين. لقد كان هذا الاقتتال داخل صوف المعارضة شديدَ الكلفة على حياة الناس وأمنهم أكثر من أي مواجهات أخرى بين المعارضة والنظام، كما تقول التقارير الميدانية، ونتجت منه عمليات تهجيرٍ سكاني واسعة النظاق إلى مناطق أخرى آمنة، أو إلى الجوار الاقليمي. وهو يكاد أن يلخّص أزمة هذا الخيار الخاطئ، ويعبّر عن مآلاته الموضوعية.
كتبنا، في هذا المنبر، منذ نيّف وعامين، أن امتشاق السلاح يكون مشروعاً في حالة وحيدة، حين يتعرض الوطن لاحتلال أو عدوانٍ خارجي، لأن مكانه الطبيعي أن يُستَخدَم في وجه العدوّ الأجنبي. أمّا في الداخل، في المعركة على السلطة، فإن استخدام السلاح لا يقود إلاّ إلى الحرب الأهلية وتمزيق الوطن وأهله!

عبد الإله بلقزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى