دوليات

الإصرار على استفزاز الشعب

ما أن تم الإعلان عن تشكيل الحكومة في تونس، حتى شعرت غالبية المواطنين والنخبة بالإحباط السياسي، على خلفية تضمن الحكومة وجوها قديمة عملت لسنين طويلة مع الرئيس المخلوع، بل تضمنت الحكومة وجوها عرفت بالتنظير لمعجزات بن علي السياسية. الكل يتساءل: لماذا الإصرار على أشخاص قال الشعب فيهم كلمته؟ وهل من شروط المرحلة الانتقالية الإبقاء على رموز نظام أسقطه الشعب؟ سؤالان ضمن أخرى لا تجد لها أجوبة لدى الشارع في تونس، فأصوات بعض الوزراء لا تزال في آذان التونسيين تحدثهم عن امتيازات عهد بن علي.
قد تكون لعبة المصالح وضغط الخارج وراء فرض شخصيات من الحزب الحاكم. فمن المفهوم أن تونس في حاجة الآن إلى جميع أبنائها وكفاءاتها في جميع الاختصاصات، لكن ما لم يتقبله حتى المتعاطفون مع هذه الحكومة أن تضم شخصيات عرفت بانبطاحها لبن علي لسنوات طويلة. فقد كان مقبولا ألا تكون الحكومة من المعارضة بالكامل، بل من المستحسن، كما يذهب البعض، أن تتضمن جميع التوجهات والتيارات، لكن مع استبعاد الشخصيات التي عرفت بانخراطها في حكم بن علي.
لقد كان مقبولا أن تتضمن الحكومة شخصيات تقنوقراطية معتدلة، فالشعب يشعر اليوم بالإحباط بعد أن سرق منه حلمه في أن يقطع مع فترة من الظلم والاستبداد إلى الأبد. فكيف لوزراء ساهموا في نظام سابق أن يقنعوا الناس أنهم يساهمون اليوم في بناء دولة القانون؟ إن ما لم يتفطن إليه الساسة اليوم في تونس أن الهبة الشعبية والعزيمة التي تسلح بها المواطنون إنما جاءت نتيجة الشعور بالحرية والتخلص من نظام فاسد. فإن كانت معنويات الشعب عالية وقوية، فذلك بفضل الانتصار على الفساد والتخلص من القهر والظلم. والحكومة لن تجد إشعاعا وتجاوبا من الشعب في ظل تضمنها وجوها حسم أمرها، فتونس الآن في حاجة إلى وجوه وشخصيات تحافظ على المعنويات المرتفعة للشعب. فمن كان يتصور أن أبناء وشباب تونس سيرفعون القمامة من الشوارع على حسابهم الخاص وينظفون الشوارع ويرممون الممتلكات العامة، بعد أن شعروا بأن الشارع بات ملكهم ومسؤوليتهم. والكل التحق بالعمل رغم تهديد عصابات النظام البائد. فالشعب الآن له طاقة عظيمة على خدمة وطنه والذود عنه، وعلى الساسة ألا يستفزوا الشعب، بل عليهم استغلال طاقته في البناء والتشييد.
حتى إن مررت الحكومة وفرضت على الشعب، فإنها لن تكون مقبولة من عامة الناس ولن تجد التجاوب المطلوب، وقد يعود الناس إلى العزوف عن السياسة. فلماذا الإصرار على الاستفزاز؟

إسكندر الفقي: محام تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق