نافذون يجنون أرباحا خيالية وسائقون يعانون الاستغلال ومواطنون يدفعون الثمن لم يعد لسائق سيارة الأجرة الصغيرة بالبيضاء، تلك المهابة التي كان يحظى بها منذ سنوات عديدة، عندما كانت المهنة محط إغراء الجميع، ومساطر ولوجها معقدة جدا، إذ أن القليل من المحظوظين من كان يظفر برخصة سياقتها، غير أن مع مرور الأيام، ارتفع عدد المأذونيات، وأصبح المواطن يعاين أرقاما تتجاوز تسعة آلاف على رقم سيارة الأجرة. هنا بدأت المشاكل، سيما عندما أدرك البعض كيف يستغل هذه الفوضى لجمع ثروة على حساب المواطن والسائق معا. "اخدم أ التاعس فسعد الناعس" ربما هي قولة تجسد بشكل قوي العلاقة بين سائق سيارة الأجرة الصغيرة ومالكها. السائق يكد ويشقى ويتعب، وفي النهاية مجبر على تسديد مبلغ مالي يومي تتجاوز قيمته 250 درهما لمالكها، قبل أن يسلمها إلى سائق آخر سيشتغل ليلا مقابل 170 درهما، ما يعني أن مالك السيارة يجني ربحا يفوق 400 درهم، لا يخضع للضرائب ولا نفقات السيارة ولا هم يحزنون، بعبارة أخرى ربح صاف بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى، هذا ما لخصه العديد من سائقي سيارة أجرة طبيعة علاقتهم بمالكيها. استغلال وأرباح خياليةبالنسبة إلى مجيد الناير، سائق سيارة أجرة صغيرة، ورئيس الجمعية الوطنية للتضامن الحرفي للتنمية الاجتماعية، لا يتوقف أمر العلاقة بين السائق ومالك السيارة عند هذا الحد، بل يطرح إشكالا جديدا، وهو أن هذه الفوضى التي أصبح يتخبط فيها القطاع، ساهمت في ظهور ما سماها "كائنات" جديدة، تملك رأسمال مهم، مكنها من استئجار عدد كبير من المأذونيات، وبعد أن يتكفل بشراء سيارات حسب عدد المأذونية التي استأجرها، وكلف سائقين للعمل على كل سيارة على حدة.المثير في هذه العلاقة أن هذا الكائن الجديد، يؤكد الناير، نجح في استغفال الدولة، إذ يتفادى تأسيس شركة للنقل، لعدة اعتبارات، أولها للتهرب من الضرائب، وثانيها لتبقى العلاقة بينه وبين السائقين بعيدة عن أي علاقة شغل، بل مجرد إيجار سيارة، يمكن سحبها منه في أي وقت يشاء في حال فشل السائق تسديد المبلغ المالي اليومي. "كريمات" في السماءينص القانون المنظم للمأذونيات، أنه في حال وفاة الشخص المستفيد منها تعود ملكيتها إلى الدولة مباشرة، من أجل إعادة توزيعها على مستفيدين جدد منهم من تجاوز عشرين سنة في هذا القطاع. هنا تبدو الفكرة جيدة، لكن على أرض الواقع لا شيء تحقق.يلح العديد من سائقي سيارات الأجرة، أن العديد منهم يشتغل سائقا لسيارة أجرة لمدة تتجاوز 20 سنة، وبالتالي، حسب قواعد الحرفة، يجب أن يستفيدوا من هذه المأذونيات التي توهب إلى جهات غير معروفة.وحتى في حال قرر أحدهم كراءها من المستفيد منها يجد نفسه مجبرا على تسديد مبلغ مالي خيالي وهو 15 مليونا، ويسمى بـ" الحلاوة". هنا يسخر مجيد الناير من تصريحات سابقة لعبد الإله بنكيران رئيس الحكومة الذي شدد على أن "الحلاوة" انقرضت، إذ يقول "بنكيران عايش في عالم آخر، ملي قال الحلاوة ما بقاتش، عاد طالعات لـ15 مليون".لا تقتصر صعوبة سائق سيارة الأجرة في تسديد المبلغ، بل يجد حربا ضروسا من قبل سماسرة المأذونيات، الذين يشترطون حصول على مبالغ مالية قدرها 10 آلاف درهم للتوسط من أجل الحصول عليها. الفحص التقنييعاين العديد من البيضاويين أن أغلب سيارات الأجرة الصغيرة، لا تصلح للجولان بالمدينة، هيكل مهترئ، باب يجد المرء صعوبة في إغلاقه، كأن ذلك العهد الجميل الذي كان فيه الركوب في سيارة أجرة صغيرة شكلا من التباهي بين الناس ويماثل الركوب في سيارات فاخرة قد ولى.هذا التصور، أكده مجيد الناير، حيث إن أغلب سيارات أجرة بالبيضاء، أصبحت غير صالحة للعمل، بسبب تقادمها والعيوب الكثيرة في هياكلها.تعبر سيارات الأجرة عن الوجه الجميل للمدينة التي تنتمي إليها، كما هو الشأن بالنسبة إلى نيويورك أو لندن المشهورة بنوع فاخر من سيارات الأجرة، إلا أن الأمر يختلف بالبيضاء، كلما كانت سيارة متهرئة كلما كان الإقبال عليها.يحمل نيير المسؤولية هنا إلى سلطات الوصاية، التي لا تتدخل لضبط الأمور، إضافة إلى الخروقات التي يشهدها الفحص التقني، وهنا دعا النيير إلى زيارة مركز للفحص التقني المخصص لسيارات الأجرة للوقوف على مدى الخروقات التي تمر فيه، وكيف تمنح شهادة الفحص التقني لسيارات يجب أن تكون في محل للمتلاشيات. من سيارة أجرة إلى السجنمن المؤاخذات التي يشتكي منها سائقو سيارة أجرة صغيرة بالبيضاء، إجبارهم من قبل مالكيها على تقديم شيك على سبيل الضمانة تتراوح قيمته مليون و500 ألف درهم. هذا الشيك اعتبره السائقون ابتزازا لهم، ويخلق العديد من المشاكل لهم، سيما عندما يقرر السائق العمل في سيارة أجرة أخرى، إذ يجد نفسها مطالبا بتسديد مبلغ مالي لعطب "وهمي" أصاب سيارة الأجرة التي كان يشتغل فيها، وفي حال رفضه، يقوم المالك بتقديم الشيك إلى البنك، وإن وجده بدون سيولة يعرضه أمام النيابة العامة ليجد السائق نفسه متابعا أمام القضاء.هذا السلوك يؤكد حسن، أصبح عرفا لدى كل مالكي سيارة الأجرة رغم أنه غير قانوني، ما يكشف مدى الخروقات التي يشهدها القطاع. سائقون متسولونأمام المحطة الطرقية التابعة لشركة نقل خاصة شهيرة بالمغرب، يقف عجوز قرب محطة سيارات أجرة. في كل مرة، يحل ضيفا على سائق طاكسي بمقهى مجاورة للمحطة، قبل أن يعتذر منه بلطف ويغادر لإيصال زبون.هذا العجوز كان في السابق سائق سيارة أجرة، وبسبب المرض، غادر الحرفة، إلا أنه وجد نفسه بدون معيل ومدخول مالي، الأمر الذي دفع رفاقه السابقين إلى تخصيص مبلغ مالي يومي له على سبيل "الصدقة" لمساعدته على مواجهة تكاليف الحياة.هذا هو مصير السائقين يؤكد عبد المجيد نيير، في حال إذا لم تتدخل الدولة لتنظيم هذا القطاع، قبل أن يؤكد أنه في مناطق أخرى بالبيضاء يوجد سائقون آخرون يتسولون من زملاءهم، بعد أن أقعدهم المرض، مشيرا إلى أن تقاعد السائق ينتهي بمرض مزمن إما داء السكري أو القصور الكلوي وارتفاع الضغط، قبل أن يختم حديثه أنهم ودعوا رفيقا لهم إلى مثواه الأخير، بعد أن بترت قدماه بسبب مرض مزمن. البطاقة المهنيةاعتبر سائقو سيارة الأجرة أن غلاب رئيس مجلس النواب عندما كان على رأس وزارة التجهيز والنقل نجح في خداعهم من أجل تمرير مدونة السير، إذ حسب قولهم، وافق على العديد من الملفات المطلبية التي تقدمت بها العديد من الهيآت النقابية التابعة للقطاع، وأعطى وعده بتفعيلها، غير أنه بمجرد أن فعلت مدونة السير أخلف وعده.من بين النقط التي لم تتحقق على أرض الواقع، حسب زعمهم، البطاقة المهنية، والتي صورت في تلك الحقبة على أنها "الفانوس السحري" الذي به سيحقق ممتهن هذا القطاع أحلامه من تقاعد مريح وتسهيلات للحصول على سكن وحق الحصول على الديون من الأبناك والعديد من الخدمات الأخرى.تهافت الجميع على إعداد هذه البطاقة، لدرجة أن بعض المتطفلين عن القطاع، نجحوا في الحصول عليها، بسبب تلاعبات مسؤولين إداريين، وعندما حصلوا عليها اكتشفوا أنها مجرد ورقة لا تصلح لشيء . تــــــزويـــــــر يتحدث محترفو المهنة عن شخصيات نافذة بالبيضاء تملك أسطولا من سيارات الأجرة من الصنفين معا تتجاوز 40 سيارة. بالنسبة إلى هؤلاء لهم إمكانيات مالية كبيرة من أجل كراء المأذونيات وشراء السيارات وتكوين هذا الأسطول.غير أن هناك فئة أخرى، كونت أسطولا وإن يبدو صغيرا لا يتجاوز ست سيارات أجرة، لكن باحتيال، كيف؟يوضح حسن، سائق سيارة أجرة أن بعض "المخلوضين" يملكون مأذونية واحدة، قاموا بوضع الرقم الخاص بالمأذونية نفسه على عدد السيارات التي يملكونها، وأجبروا سائقها على الانتشار بالعديد من المقاطعات البيضاوية، كل حسب المكان المخصص له، حتى لا ينكشف أمرهم.وبدل أن يسلم السائقين أوراق السيارة، يحتفظ المالك بها، وفي حال وقوع أي مشكل، يقوم بحمل هذه الأوراق ويتوجه إلى السيارة المعنية، وكأن الوثائق تخصها.تكاثرت هذه الظاهرة بشكل كبير، حسب حسن، وأصبحت تقض مضجع محترفي المهنة، إلى أن قامت تحمل اسم الاتحاد المغربي لسيارات الأجرة بإخبار المصالح الأمنية حول هذه الظاهرة، فاستنفرت كل مصالحها، وقامت بوضع نقط تفتيش عديدة بالمناطق، إذ كانت مفاجأة المسؤولين الأمنيين كبيرة جدا، عندما حجزوا عشرات من سيارات أجرة مزيفة. إنجاز: مصطفى لطفي