شهادات لـ"بيضاوة لحرار" المهددون بالانقراض من الصعب اليوم، في ظل العدد الهائل من السكان الذي تتحمله الدار البيضاء، والذي أتى أغلبهم من مناطق ومدن أخرى ليستقروا بالعاصمة الاقتصادية، العثور على "بيضاوي" أو "بيضاوية" قحة، يمكنه أن يحدثك عن المدينة كيف كانت بالأمس. ف"بيضاوة لحرار اللي ما يدوزو عار"، مثلما تقول الأغنية الشعبية، هم اليوم كائنات في طريقها إلى الانقراض، بعد أن هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الضواحي أو المدن الصغيرة، أو إلى خارج الوطن، وبعد أن توفي عدد آخر منهم، وذهب حاملا معه ذكريات من زمن جميل، ولى دون رجعة. لالة فاطمة، تجاوز اليوم السبعين من العمر، وهي تتحدر من إحدى العائلات البيضاوية العريقة التي استقرت بالمدينة القديمة منذ زمن بعيد، تحكي ل"الصباح" ذكرياتها في "كازا نيغرا". تقول لالة فاطمة التي تقطن اليوم بدرب التازي، "آش نقول وآش نعيد. السؤال يقلب لدي العديد من المواجع. الدار البيضاء التي عرفتها منذ وعيت في هذه الدنيا لا علاقة لها البتة بالمدينة التي نسكنها اليوم. إنها تسير من سيئ إلى أسوأ. لقد كانت البيضاء مدينة جميلة آهلة بسكان متحضرين، متشبعين بالثقافة الفرنسية منذ عهد الاستعمار. كانت الأبنية جميلة وأنيقة وقاطنوها في منتهى التخلق والأدب. وكانت الشوارع نظيفة والمساحات الخضراء متوفرة بشكل كبير. اليوم تغير كل شيء، الأبنية منها ما تهدم ومنها ما أصبح غير قابل للعيش، الناس تغيروا وأصبحوا شرسين وانعدمت فيهم الأخلاق والإنسانية... الشوارع أصبحت وسخة وكلها أزبال... أصبحت الدار البيضاء مدينة لا تطاق في الوقت الذي كانت تضاهي بجمالها وعمرانها كبريات العواصم العالمية". وتحكي لالة فاطمة، وهي من بين "البيضاويات" القلائل اللواتي كن يسقن السيارة في ذلك الزمن الجميل: "قليلون من كانوا يمتلكون السيارات في وقتنا ذاك. وكانت النساء اللواتي يملكن سيارة ويسقنها في شوارع الدار البيضاء محسوبات على رؤوس الأصابع. كنت أرتدي الجلباب وأضع النقاب، الذي كان علامة على الأناقة ولا علاقة له بالنقاب الموجود اليوم، ولم يكن ذلك متعارضا مع التقاليد والأعراف، كما لم يكن له علاقة بالرجعية أو الحداثة". السي محمد، في الستينات من العمر، وهو من سكان المدينة القديمة الأوائل، قبل أن ينتقل إلى حي المعاريف، يحكي بدوره ل"الصباح" بنبرة نوستالجية، وهو يصب جام غضبه على "العروبية" والهجرة التي تسببت في "ضياع الدار البيضاء". يقول: "يا حسرة على كازا... يا حسرة على المدينة القديمة أيام زمان... لا يغرنك مظهرها اليوم. فبالأمس، كانت الدار الواحدة تضم عائلة واحدة، وكانت العائلات تعرف بعضها البعض وتفتخر بانتمائها البيضاوي القح. المدينة القديمة التي كانت مركز المقاومة أمس أصبحت اليوم بؤرة للمخدرات والقرقوبي وجميع أنواع البليات. أشعر بالقهر وأنا أسمع البعض يدعي أنه ابن المدينة القديمة، في حين أنه وافد جديد عليها بحكم الهجرة القروية التي أفسدت هذه المدينة بأكملها. لقد غزا العروبية المدينة القديمة واكتروا حجرات صغيرة في دورها الكبرى يتكدسون فيها بأعداد كبيرة، في الوقت الذي غادر أبناؤها الحقيقيون دورهم هربا من هؤلاء الوافدين الجدد. حتى حي المعاريف نفسه، الذي كان راقيا في الماضي، أصبح حيا خطيرا يتجمع فيه اللصوص وتكثر فيه السرقة والاعتداءات". أما لطيفة، (تجاوزت الخمسين من العمر) فتحكي عن الأيام الزاهية للدار البيضاء وتقول بحسرة "لم يكن وسط المدينة بهذا الشكل السيئ الذي عليه اليوم. كان الفضاء آهلا بالمقاهي الراقية والمطاعم والمحلات. وكان الزائر لوسط المدينة يرتدي أبهى حلله ويتعطر بأحسن العطور قبل أن تطأ قدماه المكان. كانت السيدات يرتدين الميني جوب والميكرو جوب ولا يتعرضن لأي نوع من أنواع التحرش. كانت سيارات الأجرة نظيفة وتمر من مكتب المراقبة كل صباح قبل أن يأذن لها بالسير والجولان في المدينة. أما الملاهي والعلب الليلية فكانت لها قوانينها ولم يكن يرتادها كل من هب ودب حتى ولو كان يملك أموال قارون. كان السلوك والهندام وإجادة الرقص هو المهم، لأن الناس كانوا يأتون من أجل السهر والاستمتاع وليس من أجل التدبار مثلما عليه الحال اليوم".السي إدريس، من سكان حي بوركون قبل أكثر من 50 سنة، يحكي بدوره ل"الصباح" ويقول: "حي بوركون لم يكن مأهولا بالسكان مثلما عليه الحال اليوم. لقد كان أكثر سكانه من اليهود والأجانب وأغلب دوره من الفيلات قبل أن تتناسل كل هذه العمارات في مدة قياسية. أتذكر أن بقالة الحي كانت تملكها سيدة فرنسية، كانت تقوم بجولتها الصباحية على زبائنها، لتزودهم بكرتونة الحليب والجرائد أمام باب الشقة أو المنزل، ليجدونها بعد استيقاظهم على الحال التي وضعتها عليها ولم يلمسها أحد. هاجر أغلب سكان بوركون وتركوه للموريتانيين والليبيين والسعوديين والسوريين الذين اشتروا أغلب مساحاته". نورا الفواري