كانت ملاذ البيضاويين للنزهة والترفيه والرياضة وتحولت إلى ورش بناء يمنع الدخول إليه لن يكتب للأجيال الصاعدة التعرف على أهم فضاء غابوي ونزهوي بالمحيط الأطلسي على كورنيش البيضاء، فقد امتدت معاول وآليات مقاولات البناء وزحفت الإسمنت على الغطاء النباتي الذي يشرف على ضريح الولي العائم سيدي عبد الرحمان، كما أزيلت كل الألعاب التي ظلت إلى بداية الألفية الثالثة تستهوي سكان المدينة المليونية...."الديسة" أو حديقة سندباد، ملتقى كان إلى الأمس القريب مفخرة البيضاويين وملاذهم للاستراحة والنزهة.... وأنت تمر من كورنيش البيضاء في اتجاه سيدي عبد الرحمان، عند مجسم سندباد البحري الذي مازال شاهدا على عصر ولى، يتراءى لك المنع الذي يطول الولوج إلى أهم فضاء ترفيهي بالبيضاء، أما السبب فقد تحول الفضاء منذ مدة إلى ورش. والقانون يمنع الدخول إلى الأوراش.فضاء يمتد على مساحة هكتارات يضم غابة من الأشجار ويحتوي على مقاه، كانت مكانا للقاء الأسر والأصدقاء، وأحواض مائية توجد بها أسماك، وملاعب رياضية ومساحات مبلطة لألعاب التزلج والرقص ومسرح الهواء الطلق، كل ذلك أصبح في خبر كان بعد أن غير مسؤولو البيضاء غرضهم من هذا الفضاء وسمحوا لآليات المقاولين باستغلال وعائه العقاري وتشييد فيلا وعمارات.كانت المنطقة يطلق عليها في السابق "الديسة"، قبل أن تتحول في بداية الثمانينات، بإيعاز من وزارة الداخلية، إلى حديقة ألعاب أطلق عليها عنوان سلسلة الرسوم المتحركة الناجحة حينها "سندباد".في الثمانينات كانت الأسر تفضل "الديسة" وجهة لها لقضاء سويعات في النزهة وكنت ترى العائلات مجتمعة وقد افترشت الأرض، وفي جانب آخر هواة يعزفون ويغنون، أطفال يمرحون ويلعبون وسط الأشجار ويتسلقون الألعاب الحديدية المجانية التي كانت منصوبة في كل مكان، أو يتأرجحون في الأرجوحات المشيدة بجوارها. كانت الحيوية تملأ المكان، وبعد أن شيدت حديقة سندباد وجهزت بأحدث الألعاب حينها، تزايد عدد الوافدين على الفضاء، وتضاعف في عطل نهاية الأسبوع وعطل ما بين الدورات الدراسية.كانت حديقة سندباد بالبيضاء من أكبر المنتزهات المغربية مساحة وأكثرها تنوعا بيئيا، وظلت تتبوأ هذه المكانة حتى في عهد العامل الأسبق مطيع الذي أولاها عناية خاصة، قبل أن يتم التفكير في ما بعد إلى إغنائها أكثر، إذ شيدت بها أقفاص للحيوانات وبدأت الاستعدادات لجلب مختلف الحيوانات والطيور إلى هذا الفضاء، الذي امتد لتصل المساحة التي شغلها إلى البحيرة المائية التي كان يطلق عليها "الفيندو"، وفعلا شرع المسؤولون في أواسط التسعينات في جلب الحيوانات إلى الأقفاص وكانت أول الأنواع القردة والغزلان وبعض الطيور، إضافة إلى أسدين، لكن العملية لم تستكمل وظل الولوج مجانيا للفرجة والنزهة قبل أن يبدأ العد العكسي لهذه الحديقة المعلمة.بدأ الإهمال يطول الحيوانات قبل أن يمتد إلى العاملين بها من حراس، لينتظم الأخيرون في وقفات احتجاجية ويخوضوا أشكالا نضالية مختلفة لم تزدهم إلا معاناة، أكثر من ذلك فبعض الحيوانات لم تجد ما تقتاته وكان الحراس يتضامنون في ما بينهم لتوفير القليل من قوتها، وازداد الأمر سوءا عندما فرت بعض الغزلان، قبل أن ينتهي كل شيء، ليتقرر إغلاق أبواب الحديقة في وجه العموم وينقل ما تبقى من طيور وحيوانات إلى وجهة مجهولة، وتترك الألعاب الآلية عرضة للصدأ والتلف.استمر الحال على ما هو عليه، وكان البيضاويون يعدمون جوابا على ما آلت إليه أوضاع الحديقة، والسلطات في كل مرة تتحدث عن إمكانية إعادة فتحها قبل أن يفاجأ الجميع بفتح الأبواب من جديد، لكن هذه المرة ليس لاستعادة الحديقة حيويتها بل لتخريبها وسرقة ألعابها، إذ تم تفكيك الألعاب وتحول الفضاء إلى سوق لسماسرة الخردة، وحملت الشاحنات والعربات ومختلف الناقلات والأجزاء التي تم تفكيكها على مرأى ومسمع من السلطات.انتهت قصة اسمها "الديسة" أو حديقة سندباد، التي كانت قبلة للفقراء والأغنياء على السواء، وبدأت أخرى جديدة اسمها "مشروع سياحي يضم فنادق وإقامات ومحلات تجارية وكذا حديقة أركيولوجية، وحديقة للحيوان". واحتلت عبارة الحديقة الرتبة الأخيرة في المشروع الذي أطلقته سلطات البيضاء بشراكة مع فاعلين اقتصاديين، كما أردفته بعبارة تمكين العاصمة الاقتصادية من فضاء ترفيهي من مستوى دولي يليق بمدينة في حجم الدار البيضاء. المصطفى صفر