fbpx
دوليات

هدية بن علي لتونس 

رحل… بل فر وترك لنا حرسه ليروعنا، لينتقم منا. نعم، لم يكتف بثلاث وعشرين سنة من القمع والاستبداد والظلم والاستغلال والفساد، فقرر أن ينتقم من شعب قال له “لا خوف بعد اليوم، فشعبنا أراد الحياة”. بقدر ما أرهبنا بن علي، بقدر ما كشف لنا عن تحضر ووعي شباب تونس. لقد بهرت بل ذهلت وأنا أراقب مقر وزارة الداخلية، صباح الخميس الماضي، لأرى آلافا مؤلفة رددت بصوت واحد: إذا الشعب يوما أراد الحياة…
لم يتصور أحد أن شعب تونس له هذه الإرادة الصارمة القوية التي فاقت وحطمت دكتاتور العصر، فانهار واستسلم بعد أن تأكد أن الدم لن ينفع، وأن مزيدا من أعمال القتل لن تجدي. فر تاركا حرسه الفاسد ليروعنا ويتسلل إلى أحيائنا ومنشآتنا ليحطمها ويخربها انتقاما. لكن، هاهو شباب تونس يصطف من جديد ليحمي ثورته ودولته. لقد تكونت مجموعات من سكان كل درب تحمل شارات بيضاء والعصي لتحمي وطنها من عصابات بن علي. إنه مشهد رائع يقشعر له الجسد.
وأنت تجوب شوارع العاصمة ودروبها، يستقبلك المواطنون في انضباط تام وحزم، في انتظار عصابات بن علي، والكل يردد: “الحرية والديمقراطية ليس لها ثمن”، كما أن من الرائع ألا تلمس التململ حول الثورة على الفساد والاستبداد. فرغم الانفلات الأمني، لا أحد تحسر على الخسائر المادية، لأن مكاسبنا المعنوية لا تقدر بثروات الكون.
توهم حرس بن علي ساعة فراره أنه، بمجرد أن ينفلت الأمن، حتى يستجدي الشعب عودته، وهو ما جعله يبقي على صفته رئيسا، مفوضا مهامه للوزير الأول، حالما بالعودة بعد سويعات من الرعب والنهب، إلا أن الشعب قال لا، رغم ما بثته عصابات بن علي من رعب وتخريب، وحسم الأمر وفرض إقصاء بن علي إلى الأبد. ساعتها، لم يعد لحرسه أمل، وصار هدفهم الانتقام والدمار.
هي ساعات وتضمحل هذه العصابات وتختفي. أيام وننطلق بعدها في بناء وتشييد دولة القانون والمؤسسات، وسط تخوف النخبة حول مكاسبها العلمانية، بعد أن لاح شبح التيار الإسلامي العائد من بعيد ليستفيد من ثورة الشعب، ينضاف إليه شبح الحزب الحاكم لعقود بعناصره ذات القدرة على التملق والاستيلاء على المكاسب والانضمام إلى ركب الحدث.
هذه مشاغل الشعب في تونس: خوف على الحرية التي افتكها بدماء الشهداء، وخوف من الانتكاسة، وخوف من سرقة أحلامه، فقد سأل أحدهم: ما هي الضمانات التي تحمي الحرية والديمقراطية؟ فكان الجواب: الضامن هو الخوف من أن يثور الشعب.
إن كان بن علي أرهب الشعب وروعه، فإن ثورة الشعب أرهبت كل حاكم قادم من هذا الشعب.
 إسكندر الفقي: محام تونسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق