fbpx
ملف الصباح

كيداي: العنف كان دائما مسلطا على الفئات الاجتماعية الهشة

الباحث في علم الاجتماع التربوي قال إن المرأة ما تزال كيانا هشا يقع عليه العنف

قال عبد اللطيف كيداي، باحث في علم الاجتماع التربوي إن من الدواعي التي تقف خلف ازدياد نسبة حالات العنف الزوجي ه زيادة الوعي لدى المرأة بضرورة التبليغ عنه،

وأيضا عدم قدرتها اليوم على تحمل المهانة كما كان الأمر في الماضي. وأشار في حواره مع «الصباح» إلى أن أكبر جريمة ترتكب
في حق المرأة في مجتمعاتنا المعاصرة «جريمة التحرش الجنسي».

كيف تنظرون إلى العنف ضد المرأة بصورة عامة ؟
العنف أولا كما عرفته العديد من المعاجم والهيآت الدولية هو كل فعل مؤذ صادر عن فرد أو جماعة ضد فرد أو جماعة كان سببا مباشرا في شعورهم بالأذى المعنوي أو المادي، وعليه يمكن أن نقول إن العنف ضد المرأة هو السلوك الذي يصدر عن الآخر (في الغالب الرجل) ويسبب للمرأة نوعا من الأذى سواء كان نفسيا أو جسديا أو حتى اقتصاديا.
وبداية يجب أن نشير إلى أن الدراسات والأبحاث السوسيولوجية المهتمة بمسألة العنف الاجتماعي في صيغته الحضرية، هي وليدة التحولات الاجتماعية التي شهدها المغرب منذ بداية التسعينات. ويعود الفضل بشكل كبير في إثارة هذا الموضوع إلى جهود المنظمات غير الحكومية وخاصة الجمعيات والحركات النسائية التي ساهمت من خلال عملها في الحديث عن هذا الموضوع الشائك والمعقد، حتى وإن كانت زاوية المقاربة المعتمدة حقوقية بالأساس سعت إلى إيجاد شكل من أشكال التوازن في علاقة الرجل بالمرأة…
ولعل من أهم الأسباب التي تفسر عدم إيلاء هذا الموضوع أهمية كبرى في الدراسات السوسيولوجية والنفسية المغربية تتمحور بالأساس في عنصرين اثنين، يتعلق الأول بالموضوع في حد ذاته إذ أن ولوج المعطيات والوثائق المتعلقة بهذا الموضوع ليس في متناول الدارسين على اختلاف تخصصاتهم الأكاديمية. ويخص المعطى الثاني الباحثين أنفسهم الذين يفضلون بدورهم الاشتغال على مواضيع توفر لهم المعلومات والبيانات المطلوبة بأقل جهد وتكلفة، بالنظر إلى غياب الدعم اللازم للبحث العلمي في بلدنا.
ويمكن أن نقول بصراحة في مسألة العنف ضد المرأة إنها ليست مسألة جديدة أو وليدة اليوم، بل العنف كان دائما وبجميع أشكاله موجه للفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة (المرأة – الطفل – العاجز أو المسن- الأهبل أو المجنون…) من موقع دونية الآخر أو نظرة الاحتقار والاستصغار التي تكون للمجتمع تجاهه، لكن الجديد فيها هو هذه الجرأة اليوم في تناولها وازدياد حالات البوح بها، والاعتراف بالعنف من قبل المرأة التي باتت ترفض اليوم كل أشكاله الممارسة عليها، كما ترفض أيضا وبنفس الشدة سكوت المجتمع وصمته إزاء الظاهرة.   

دراسة مندوبية السامية للتخطيط التي أصدرتها أخيرا، أكدت أن العنف النفسي يتصدر لائحة أشكال العنف، كيف تفسرون ذلك؟
بطبيعة الحال العنف النفسي والمعنوي هو المتصدر، يكفي أن نشير إلى كون التحرش بالمرأة في أي مكان حتى في الشارع العام هو شكل من أشكال العنف النفسي، إذ أنه لا يعقل أن يتم التضييق على المرأة في حرية التنقل في الأماكن العمومية، فقط لكونها امرأة، وأعتقد شخصيا أن هذه أكبر جريمة ترتكب في حق المرأة في مجتمعاتنا المعاصرة: «جريمة التحرش الجنسي» التي أصبحت تمثل العنوان البارز للعنف النفسي ضد المرأة، وهذا يعبر صراحة عن غياب المساواة بين الجنسين، فالحرية في التنقل والتحرك في الأماكن العامة ما تزال للأسف حكرا على الرجل، وهذا في حد ذاته يحيلنا على إعادة النظر في مفهوم حرية المرأة ذاته.    

جاء في الدراسة ذاتها أن نسبة مهمة من النساء تعرضن للاعتداء داخل إطار الزوجية، ما رأيك؟
هناك تركيز شديد من قبل المجتمع المدني والجمعيات النسائية ومراكزها المتخصصة في مناهضة العنف ضد المرأة على العنف الزوجي الذي يقع في داخل مؤسسة الزواج، ذلك أنه يسهل إحصاؤه وضبطه لأنه يقع في إطار مؤسسة تتسم بالاستمرارية، وبالتالي يمكن بسهولة في حالة استمرار العنف أن تبلغ المرأة عنه للمراكز المختصة، وبالتالي هناك معطيات متوفرة حول هذا الجانب.
وبخصوص الدواعي التي تقف خلف ازدياد نسبة حالات هذا النوع من العنف، نذكر زيادة الوعي لدى المرأة بضرورة التبليغ عنه، وأيضا عدم قدرتها اليوم على تحمل المهانة كما كان الأمر في الماضي، كما لا يجب أن ننسى تركيز واشتغال عدد من المنظمات غير الحكومية على هذا النوع من العنف.
هذا النوع من العنف سيبقى مرتفعا في الأفق المنظور بالنظر إلى الطبيعة الصراعية التي تميز علاقة المرأة بالرجل في مجتمعنا خاصة في ظل التحولات الراهنة، وصعوبة قبول المجتمع الذكوري في جزء هام منه بواقع هذا التحول، وعلاقة اللاتكافؤ المستمرة.    

لم يستثن العنف ضد المرأة الوسط المهني ومؤسسات التعليم والتكوين، كيف تفسرون ذلك؟
المرأة في مجتمعنا ما تزال ذلك الكيان الهش الذي يقع عليه فعل العنف، وأيضا رد الفعل إزاء أي موقف. يكفي أن ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى، فعلى المستوى القيمي والأخلاقي هناك نظرة سلبية تجاه المرأة يختلط فيها ما هو ديني بما هو تقليدي محافظ بما هو أخلاقي عام، ناهيك عن الصورة التي تروج اليوم عن المرأة وهي في الغالب سلبية تذهب في إطار «شرعنة العنف» عوض نبذه، وهذه الصورة نجدها في الأسف في جميع المرافق والمؤسسات، وبالتالي أينما وجدت المرأة يوجد هذا الخطاب الآخر الذي يصفها بأبشع الصفات، لأنه ما تزال في المجتمع فئات لا تقبل واقع التحولات، وتعتبر المرأة هي التي تصون شرف المجتمع بل هي الشرف كله.

تؤكد الدراسة ذاتها أن العنف يخص الشباب بالدرجة الأولى سواء باعتبارهم ضحايا أو معتدين، كيف تفسرون ذلك؟
العنف هو ظاهرة حضرية أكثر وظاهرة شبابية بامتياز، فالشباب هي الفئة التي تتحدث لغة العنف أكثر من غيرها بالنظر إلى ما يتميزون به من سيادة لغة الحركة (l’action)، من دينامية، سرعة في التهيج ورد الفعل، وأيضا ما يعرفوه من إحباطات وتذمر وتهميش وإقصاء وسخط على الأوضاع… كلها عوامل تجعلهم المصدر الأساسي للعنف.
إذا سلمنا بفرضية أن العنف في المدن وحتى في القرى هو نتاج لأوضاع معينة من التهميش المتعددة الأشكال والمضامين، وباعتبار أن المهمشين مقصيون من المشاركة في كل شيء، إذن فالشباب هو الجامع بين ثنائية العنف والتهميش فهو المعبر عنها بامتياز. وهذا بالتأكيد ما جعل أن هناك إقبالا متزايد، على دراسة الفئات الهامشية من لدن علماء الاجتماع في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء

خلصت الدراسة إلى أن العنف يتزايد بتزايد الهشاشة السوسيو اقتصادية الاجتماعية وما رأيكم؟
العنف في الأصل نوع من الخطاب يوجهه مرتكبه للمجتمع ليعبر عن وجوده، عن إقصائه وتهميشه ونبذه، ليقول للآخرين إنني موجود رغم تهميشي. وفي الأدبيات السوسيولوجية المعاصرة نجد أن رواد مدرسة شيكاغو – انطلاقا من أبحاثهم المتعددة المرتبطة بعلم الاجتماع الحضري- اعتبروا أن الهامشية والإقصاء سببان رئيسيان للانحراف والعنف…
وفي الحالة المغربية لا يمكن أن نبتعد كثيرا عن هذا الطرح، فالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية لدى فئات واسعة من الشباب خصوصا هي المسؤولة بشكل أو بآخر عن مجموعة من الظواهر السلبية في مجتمعنا كالانحراف والإدمان والعنف والجريمة، خاصة عندما تفشل آليات المجتمع الاعتيادية على إدماج هذه الفئات بشكل أفضل في المجتمع.  

أجرت الحوار: إيمان رضيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى