الأولى

أزمة سياسية بين بريطانيا وإسبانيا بسبب جبل طارق

بوادر حرب تقرع طبولها على الضفة الأخرى للمضيق

عادت قضية جبل طارق، بعد سكون طويل أدخلها طي النسيان، إلى واجهة الأحداث لتثير أزمة سياسية بين إسبانيا وبريطانيا، البلدين الأوربيين اللذين يجمعهما الانتماء المشترك إلى اتحاد أوربي أنهكته الأزمات الاقتصادية. اعتقد المتتبعون في البداية أنها أزمة عابرة قبل أن تتطور الأمور نحو الأسوأ بعد تهديد كل من البلدين بتدويل القضية، معيدة إلى الأذهان ما تبقى من قضايا الاستعمار العالقة، وتجر حديثا روتينيا يرفضه الإسبان عن وضعية سبتة ومليلية المحتلتين. وانطلقت بوادر الأزمة الأولى بين إسبانيا وبريطانيا قبل بضعة أيام بعد قيام حكومة جبل طارق ببناء حاجز إسمنتي على الحدود البحرية مع إسبانيا، وهو ما أثر على نشاط الصيد البحري لمراكب الصيد الإسبانية التي تنشط بالمنطقة، فجاء الرد الإسباني مباشرا بتشديد إجراءات المراقبة الحدودية بين الجانبين وبحث فرض رسوم لعبور الحدود بقيمة 50 أورو على المتوجهين إلى جبل طارق من إسبانيا، والتحقيق مع سكان جبل طارق الذين يملكون عقارات في إسبانيا بشأن الضرائب، وتقييد عبور الطائرات المتوجهة الى مطار جبل طارق لمجالها الجوي، وهو ما يعني تضييقا على نشاط «المدينة الصخرة»، التي تملك منفذا على إسبانيا يعتبر متنفسها البري الوحيد لترويج منتجاتها.
 وحاول الجانبان لملمة القضية عند بداية الأزمة عن طريق اتصال هاتفي أجراه رئيس الحكومة الإسبانية ماريانو راخوي مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الأربعاء الماضي، لوضع حد للتصريحات الحادة المتبادلة بشأن جبل طارق، وآخر أجراه وزير الخارجية الاسباني خوسي مانويل غارثيا مارغالو بنظيره البريطاني اتفقا على إثره على تشكيل مجموعات عمل لبحث الشؤون المرتبطة بجبل طارق، أبرزها قضية الصيد البحري، لكن سلطات جبل طارق شككت في المساعي الدبلوماسية التي تحدث عنها المسؤولون الإسبان بقولها إنه لم يتفق على أي مجموعة عمل.
وتصاعدت وتيرة الخلاف بين بريطانيا وإسبانيا حول جبل طارق لتبلغ أشدها بداية الأسبوع الجاري بإعلان لندن أنها تعتزم ملاحقة إسبانيا قضائيا، بسبب إجراءات التفتيش الحدودية «المفرطة» التي فرضتها، بينما هددت مدريد بإحالة القضية على الأمم المتحدة، لوضعها في الملف نفسه لقضية جزر «ملفيناس» المحالة من طرف الأرجنتين  على الأمم المتحدة، والتي تعتبر أرضا تابعة لبريطانيا، كما هو الحال بالنسبة إلى جبل طارق.
لكن البريطانيين، الذين أرسلت حكومتهم أول أمس (الاثنين) سفنا حربية إلى جبل طارق من أجل المشاركة في ما أكدت أنه انتشار روتيني ومقرر منذ فترة طويلة، لم يستسيغوا هذه الحملة التي تقوم بها إسبانيا ضدهم، خصوصا بعد محاولتها ربط ملف جبل طارق بقضية جزر ملفيناس، وهو الرفض الذي عبرت عنه وسائل الإعلام البريطانية، التي «ذكرت» إسبانيا بقضية سبتة ومليلية، إذ اعتبرت جريدة «ذ وول ستريت جورنال» في عمود لبريت ستيفنس أن على ديفيد كامرون ابداء استعداده للتخلي عن جبل طارق، عوض الانخراط في حرب دبلوماسية مكلفة، لكن بشرط واحد يتمثل في تصريح الحكومة الإسبانية بتخليها عن سبتة ومليلية إلى المغرب.
ويبدو هذا الربط ثقيلا جدا على الجيران الإسبان، الذين ما فتئوا يؤكدون اختلاف القضيتين باعتبار أنه، على عكس جبل طارق، فلم يتم تضمين المدينتين المحتلتين في قائمة الأمم المتحدة للأراضي التي لا تتمتع بالحكم الذاتي، وبالتالي ف«الصخرة البريطانية» تخضع لإنهاء الاستعمار، رغم محاولة الديبلوماسية المغربية منذ سنوات ربط القضيتين، بالنظر إلى عوامل تاريخية وجغرافية فرضها القدر، الذي ما زال يصر على ربطهما من خلال أزمة تذكرنا حيثياتها بأخرى مماثلة بين المغرب وإسبانيا حول جزيرة ليلى…حرب وبحر وصخرة !

صفاء النوينو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق