ملف الصباح

أحداث الصخيرات بعيون تلاميذ هرمومو , محمد متقي الله : ضـبــاط لمـــدة خـمـس دقـائـق

ضـبــاط لمـــدة خـمـس دقـائـق

بحلول 10 يوليوز، تكون قد مرت 42 سنة على أحداث انقلاب الصخيرات، فرغم ما قيل بإسهاب حول الحدث، وما ألف من كتب من قبل ضباط شاركوا فيه، فإن بعض الأحداث ما زال يلفها الغموض، لأن شهادة الطرف الضعيف غيبت في هذا الحدث المأساوي، ونقصد تلاميذ المدرسة العسكرية. فهم من كان حطب الانقلاب، وعاين العديد من الأحداث بعد أن فر الضباط لحظة علمهم بفشل محاولتهم الانقلابية. تعرض هذه الحلقات رواية ثلاثة من تلاميذ مدرسة هرمومو شاركوا في الانقلاب، توزعوا بين قصر الصخيرات والإذاعة الوطنية ووزارة الداخلية ، إذ تسعى شهادتهم إلى الإسهام في إزاحة النقاب عن بعض الملفات التي ما زال الغموض يلف حقيقة ما وقع فيها بالفعل.

 هل تعرفت على أسماء الضباط الذين كانوا مع الكولونيل اعبابو؟
 لا، لأننا لم نغادر أماكننا، بعدها التحق بنا قائد مجموعتنا وهو المساعد “الشيكر” وأمرنا بشحن الأسلحة ورفع غطاء الشاحنات، وأن نكون على أهبة واستعداد.
وانطلقنا من جديد، دون أدنى مشاكل رغم حالة الاستنفار، لدرجة أن الدرك الملكي بسلا والرباط، كان يسهل لنا المرور، إلى أن وصلنا قصر الصخيرات. هنا افترقت فرق الكومندو، البعض دخل من البوابة الرئيسية للقصر والآخر من البوابة الجنوبية. نحن كنا مع الراحل محمد الرايس، إذ لحظة ولوجنا القصر أمرنا بالنزول، كانت دهشتي كبيرة، وجدنا ضيوف الملك منتشرين هنا وهناك، منهم من يلعب الكولف، بدؤوا ينظرون إلينا باستغراب. في البداية اعتقدت أنني كومبارس في شريط سنيمائي، لدرجة أنني كنت أبحث عن كاميرا، قبل أن استيقظ من هذا الوهم عندما وجدت رفيقا لي مضرجا في دمائه، وقتها علمت أن باب جهنهم فتحت.
أمرنا الرايس بإطلاق النار في السماء، وهنا أود أن أشير إلى أن الضيوف وتلاميذ المدرسة قتلوا عن طريق الخطأ، وبسبب حوادث متفرقة غير مقصودة، كان الرصاص يصيب بدون قصد.
 يقال إن القصر كان به عناصر الدرك والجيش ومظليون ومدنيون هم من شرع في إطلاق النار أولا؟
 أنا استبعد هذه المسألة، ما وقع أن تلاميذ في جهة أخرى داخل القصر، أطلقوا النار بعفوية، هم من تسببوا في هذه المذبحة، خصوصا أن دخولنا القصر كان في حدود الثانية عشرة والنصف زوالا، وكان الجميع بالقرب من موائد الغداء، ما رفع عدد الضحايا.
 كم عدد التلاميذ تقريبا الذين فارقوا الحياة داخل القصر؟
 لا استطيع أن أقدر العدد، لكن إجمالا فقدنا 120 تلميذا خلال العملية الانقلابية، أغلبهم قتل في دار الإذاعة والتلفزة.
 ماهي الذكريات التي ما زلت تحملها داخل قصر الصخيرات؟
 أتذكر أنني التحقت ببناية داخل القصر، فخرجت شابة ترتدي وزرة بيضاء، شرعت تستعطفني ألا ألحق بها سوءا، وأنها تعالج ضحية أصيبت برصاصة في يدها. حدقت جيدا في البناية، وأدركت أنني أمام مركز صحي تابع للقصر، أخذتها وزميلة لها إلى مكان هادئ وطلبت منهما الاختباء فيه.
بعدها سمعت، زميلا يناديني باسمي، وعندما رفعت بصري وجدت   ثلاثة تلاميذ من السنة الأولى بالمدرسة يأسرون خمسة أشخاص وأجبروهم على وضع أياديهم على رؤوسهم، كان من بين الأسرى الملك الحسن الثاني.
لما رأيت المشهد اتجهت نحو أصدقائي لأخبرهم بالأمر، ولما عدت وجدته يتحدث مع ثلاثة تلاميذ من دفعتي، ولما التحقت بهم، وأديت له التحية وقبلت يده، سمعته يقول”وليداتي هاد شي ما كاينش، والله إخلص من دار هذا العمل”، ما يعني أن زملائي أخبروه أنهم جاؤوا لحمايته كما ادعى الكولونيل اعبابو لحظة دخولنا القصر. بعدها طلب منا قراءة الفاتحة على أرواح الضحايا، وخلال تلاوة السورة شعرنا أن الملك استعاد أنفاسه وهدوءه، قبل أن يخاطبنا :” اعتبروا ريوسكم من اليوم ضباط ما شي ضباط صف”.
لم نصدق هذا الوعد الملكي، وبحكم الفرحة أقدم تلميذ على إطلاق نار في الهواء فرحا بهذه الترقية، وهنا أدرك الحسن الثاني خطورة الموقف، وبذكاء سألنا ” واش باقي عندكم قرطاس”، أجبناه بالإيجاب، ليأمرنا بإفراغ بنادقنا من الرصاص فاستجبنا لأمره في الحين.
وبعد هذه الواقعة بقليل، حضر الأمير الراحل مولاي عبد الله، مستند على تلميذين من المدرسة بحكم إصابته برصاصة في يديه، قبل أن يلتحق بجمعنا الجنرال أفقير بزيه المدني ونظارته السوداء، فأخبره الملك أنه من ستتكلف بأمور الجيش، فتجرد من زيه المدني ولبس زيا عسكريا.

مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق