fbpx
منبر

العيون بين روافد أزوان وروافد كديم إزيك

ستفرح المدينة حتما عندما تشعر أن جراحها ضمدت ومشاكلها حلت

من حق العيون أن تفرح إسوة بباقي مدن الوطن التي تتناسل فيها المهرجانات كالفطر، فلن نصادر حق سكانها في الفرح، وفي اقتسام لحظات من المتعة بعد شهر من الشد والجذب والترقب الممزوج بالخوف، لكن حين يكون هذا الفرح مغرقا في الكآبة، وتكون معه العيون نفسها وسكانها مازالوا لم تستيقظوا من هول الصدمة، وتكون دماء أبرياء سقطوا في معركة مازالت أسبابها خفية لم تجف، ولم تجف معها دموع أهاليهم داخل الوطن، فإن المهرجان أوالفرح يتحول في هذه الحالة إلى تغطية للشمس بالغربال في سماء مدينة معروفة بحرارة شمسها ومناخها المتقلب.
إن الفرح الحقيقي والصادق يكون نابعا من القلب، وحين يكون هذا القلب مكلوما بفعل حادث ما، فإنه يتحول إلى فرح إصطناعي معلب كالأشياء التي نستوردها معلبة، لكنها أحيانا تكون منتهية الصلاحية، حين تحركت مدينة العيون أول مرة وبدء المخيم يكبر أمام أعين السلطات، وهي عنه لاهية أو متلاهية في خضم حسابات سياسية انتشر غسيلها الآن على الملأ، قامت هذه السلطات لإيهام الرأي العام الداخلي والخارجي أن العيون تعيش حياة عادية، وأن المخيم الذي بدأ الكل يتحدث عنه لا وجود له إلا في مخيلة البعض، قامت بإقامة مهرجان حضرته حفنة من الناس يومها وقف والي المدينة إلى جانب رئيس مجلسها، وكأنهم يقولون لمن ينفخون في النار “ها نحن سمن على عسل والعيون المدينة تغني مع نجاة اعتابو وغيرها”.
يومها تساءلنا من نصدق السلطات أم المهرجان أم العيون التي تنزح يوميا نحو المجهول، حاملة خيامها في رحلة لا تبدو أنها مؤقتة أو صدفة، والآن حين لملمت العيون جراحها، ها هي السلطات عادت مرة أخرى لتهدي هذه العيون التي مازالت تداعيات أحداثها خارجيا تؤرقنا بمأساة مدينة تعد قلب الصحراء النابض، ومقاس نبضها السياسي والاجتماعي، وبدل أن تنخرط السلطات في مقاربة الملفات ودراستها والبحث عن الأسباب الحقيقية الظاهرة والخفية لهذا التمرد الجماعي، لتلافي تكراره مستقبلا بعد أن كلفنا تداعيات خارجية كبيرة خسرنا فيها أوراقا كثيرة أظهرت هشاشة دبلوماسيتنا بكل مفرداتها الحزبية أو الرسمية أو الشعبية، انبرت السلطات مرة أخرى لتنظيم مهرجان روافد أزوان مع أن روافد كديم إزيك مازالت قائمة وموجودة، وبدل قراءة هذه الروافد بصورة علمية ودعوة علماء الاجتماع والسياسة والقانون والإعلام لقراءة الظاهرة ومقاربتها من كل النواحي العلمية، كما تفعل عادة الدول المتقدمة  نستدعي الشاب فضيل وغيره، وندخل معه في جدال حقيقي حول إمكانية التحافه العلم المغربي، وكأن هذا الشاب إذا ما التحف بالراية المغربية نكون بذلك قد حققنا نصرا دبلوماسيا على الجارة الجزائر، باعتبار فضيل جزائريا غنى في صحراء مغربية في نظرنا نحن المغاربة وغربية في نظر الجزائريين، وكأن فضيل أصبح يضاهي الطاهر وطار أو أحلام مستغانمي أو غيرهم من مفكري الجزائر الكبار الذين لايقاسمون بلدهم هذا العداء المستحكم للمغرب.
إنه زمن انقلبت فيه القيم وأصبح مطرب أو مطربة تعري نصف جسدها، وتلتحف براية المغرب، لتغرف أموالا طائلة أهم من المواطنين أنفسهم الذين يشاهدون كل مرة هدرا عموميا للأموال، دون أن يفهموا مغزى السلطات من هذه المهرجانات التي لو كانت في أحوال عادية لتفهمها الجميع، خصوصا في مناطق صحراوية بعيدة تنعدم فيها فرص الفرجة والمسارح والسينما وتنشط فيها الرياح في كل مواسم السنة، لذا سيكون طبيعيا إن أهديناها فرجة حقيقية لكن بقلوب صافية وبمشاكل يبحث المسؤولون عنها عن الحلول ليل نهار، لأن بناء جبهة داخلية قوية وتذليل المشاكل والصعاب التي تحول دون بناء هذه الجبهة لن يكون حتما بمهرجانات، خصوصا عندما تكون هذه المهرجانات في أوقات عصيبة يجتازها الإقليم، ويجتاز معه سكانه الذين يجب أن نبحث لها عن روافد جديدة للتلاحم بين كل مكونات هذا الوطن جنوبا وشمالا هذه المكونات التي يريد البعض زرع الفتنة بينها، وكأنها أعداء لا تنتمي إلى وطن واحد.
الصحراء الآن تحتاج لمهرجانات للتنمية المستدامة، تحتاج لقراءات متعددة علمية لأسباب هذا التصدع المتتالي، ولأسباب هذا الشرخ في العلاقة الذي يحدث أحيانا بين المغرب وصحراوييه، فبدل أن تنخرط الأحزاب والمؤسسات والإعلام في قراءة الظاهرة وتحليلها ودعوة كل المختصين من أبناء المنطقة وغيرها للمساهمة في وضع الحلول وتشريح الجراح، نجد أن الأحزاب المغربية دخلت في صراعات سياسية وفي تبادل للاتهامات تم نقله حتى خارج حدود الوطن، ما استوجب الغضبة الملكية عليها، إذ تشتغل بمنطق انتخابي ضيق، يتحدث عن الاكتساح في أفق 2012، متناسين أن أهم رهان يجب أن تجتمع عليه هذه الأحزاب هو هذه القضية الوطنية التي يتحدث عنها الجميع في المناسبات، ويركب عليها الجميع لأغراض سياسية، دون أن يكون هناك استحضار حقيقي لها في أجندتها السنوية، قضية الصحراء بقدر ما هي قضية وطنية، فإنها أيضا قضية دولية يشاركنا البعض في التفاوض عليها، ويعاندنا البعض الآخر من الجيران في بقاءها حجر عثرة في كعب المغرب، وبدل أن نعي حجم هذا الفعل ونستحضره في كل مرة، يحاول البعض الدفع بهذه القضية في حسابات خاسرة عواقبها وخيمة على الملف داخليا وخارجيا، والآن، بدل أن ننتظر تقرير لجنة تقصي الحقائق لتحديد المسؤوليات وإعمال قانون المحاسبة، نهدي العيون مهرجانا بطعم الحزن، أثثه فضيل الذي رفض حمل العلم المغربي، وكأننا محتاجون لمن يحمل هذا العلم الذي أصبحت موضة حمله في المهرجانات المغربية تطرح أكثر من تساؤل عن هذه الروح الوطنية الجديدة التي اكتشفها البعض في أرداف هيفاء وهبي وخصر نانسي عجرم وضحكة الشاب خالد البلهاء.
الوطن يحمل في القلوب والأعلام رمز لكل المغاربة، والدفاع عنه يكون تطوعيا عند كل خطر يحدق بالوطن، والمغاربة وحدهم المسؤولون عن وطنهم، وليسوا محتاجين لمطرب أو مطربة من طينة فضيل أو غيره ليحمل أعلامهم،العيون تحتاج إلى إعادة بناء حقيقي لجذور ثقة فقدت بين الدولة والسكان، تحتاج لمن يوحد قبائلها التي بدأت تتحرك تباعا بحثا عن توازن مفقود، تحتاج لسواعد تبني وتشيد وتزرع روحا جديدة في أبناء هذه المنطقة الذين عاشوا في أحضان المغرب كل هذه السنوات، وهناك من يريد بأخطائه وتدبيره السيئ للمقاربات أن يخرجهم من عباءته، الخطر ليس دائما خارجيا، لأنه معلوم لدينا، الخطر يكون كبيرا عندما يكون بين ظهرانينا، ولا نريد اقتلاعه أو حتى البحث عنه، فحافظوا على صحرائكم، لأنها جزء من مغرب أصبح يكثر من المهرجانات، ليخفي شيئا ما، فالعيون ستفرح حتما عندما تشعر أن جراحها قد ضمدت وأن مشاكلها قد حلت، وسيفرح معها المغاربة جميعا حين يعلمون من هو المتسبب الحقيقي في هذه الكارثة التي ختمنا بها سنة 2010،  لكن تداعياتها ستستمر في الزمن.

(*) د.عبد الرحيم بوعيدة
أستاذ بكلية الحقوق مراكش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى