fbpx
ملف عـــــــدالة

“الترمضينة”.. قنطرة عبور إلى السجن أو المستشفى

تزيد “البلية” بكل أنواعها من حدة “الترمضينة” خاصة قبيل أذان المغرب، لما تتحول مواقع الاحتكاك بين بني البشر في “السويقات” والشوارع والدروب الضيقة بفاس، كما باقي المدن الأخرى، إلى حلبة مفتوحة لاستعراض العضلات وتبادل الضرب والجرح على إيقاع الكلمات المنتقاة من قاموس “زنقوي” يحفظه شبابنا عن ظهر قلب ويتنافس فيما بينه لإيذاء مسامع المارة به.
قد تختلف وتتباين مشاهد التنابز والتراشق بالعبارات السوقية والحجارة والكراسي وما جاورها، من موقع إلى آخر. لكنها أضحت مألوفة منذ هل علينا هذا الشهر الكريم الذي يتمسح به البعض لترجمة أمراض دفينة في بواطن شباب مهووس بنفسه. بداعي أنه “مقطوع” عن بليته، يقلق ويثور دون سبب مقنع ولأتفه الأمور ودون تقدير العواقب، وكأنه “صايم بالجميل”.
بموقع إستراتيجي بشارع محمد الخامس، وقبل دقائق من مغرب السبت الماضي، ركن شاب سيارته قرب مقهى. وقبل أن ينزل منها، قصده طفل مشرد أملا في صدقة منه تذيب جوع أحشائه. وعوض أن يرأف لحاله، فتح باب سيارته بقوة في وجهه مصيبا إياه، قبل أن يتعقبه مواصلا اعتداءه عليه بالضرب، دون رحمة أو شفقة في شهر الغفران.
عبثا حاول بعض معارفه تهدئة روعه قبل أن يوجه سهام غضبه إلى شخص معاق وجد صدفة قرب هذا الموقع. ضربه بقوة قبل أن يتعقبه محاولا تكرار “إهانته” أمام شباب تدخلوا للحيلولة دون ذلك، قبل أن تهدأ العاصفة بدعوة المعاق لتناول فطوره في مطعم مجاور، في الآن نفسه الذي أطفأ الشاب الغاضب، جنونه في سيجارة وقنينة مشروب غازي.
هذا المشهد أثار الأصدقاء الثلاثة الذين عاينوه ولم يجدوا حيلة أو سببا لهذا الغضب. لكنه كان مناسبة تذكر فيها أحدهم قصة مماثلة عاشها في اليوم الأول من رمضان، دون أن يتفاعل معها، وإلا لكان دخل لعبة “سين وجيم”، حامدا الله على برودة الدم التي وهبها الله إياه في ذاك الزوال، لما كان بمحطة سيارات الأجرة بحي السعادة في طريقه إلى محكمة الاستئناف لقضاء غرض.
كان يهم بركوب طاكسي صغير لما تناهت إلى مسمعه عبارة “أفين غادي تمشي العم”، قبل أن يتحسس مصدرها، فإذا به شاب في مقتبل العمر يخفي عينيه بنظارة سوداء  “ماشي شغلك” كان جوابه الذي حرك مواجع ذاك الشاب ثقيل الظل الذي وجدها مناسبة لترجمة “ترمضينته” المغلفة بألفاظ السب والشتم والبصق، لم يعرها أي اهتمام تاركا “السفيه يعبر بما فيه”.
لقطات من هذا القبيل تتكرر باستمرار وتنتهي بتطورات مختلفة بتباين طرفي المعادلة ودرجة برودة الدم أو سخونته، كما حال ثلاث فتيات قصدن مستشفى الغساني زوال أول أيام رمضان، قبل أن يصطدمن بحراس أمن نصحوهن بالتوجه إلى مستشفى ابن البيطار للحصول على شهادة طبية لعجز إحداهن العجز المؤقت الناتج عن إصابات بينة في عينيها والجانب الأيمن لوجهها.
“ترمضينة” حقيقية شهد عليها الباب الرئيسي لهذا المستشفى، لما اختلط الحابل بالنابل وكادت الأمور أن تتطور إلى ما لا تحمد عقباه في أوج غضب الفتيات وتبادلهن عبارات من قاموس “الزنقة” مع الحراس وشاب قوي البنية حضر لمساندة زملائه ولم يخف سوابقه واستعداده للتضحية بكل شيء لإثبات رجولته في معركة محسومة مسبقا مع “وليات” لم تكن مغلوبات على أمرهن.
حوادث “الترمضينة” كثيرة سجلت بعاصمة العلم والثقافة، نسبة مهمة منها انتهت بمخافر الشرطة على إيقاع محاضر بحوادث مختلفة لتبادل الضرب والجرح في معارك “بطولية” شهدتها شوارع وأسواق مختلفة، لأسباب تافهة أو لغير دوافع بين شباب يتذرعون بالصيام لتبرير ممارساتهم غير المسؤولة وغير المقبولة من قبل غيرهم، دون أن تكون لهم حيل الردع.
نسبة مهمة من تلك الحوادث التي قدرت بالعشرات خلال الأيام الأولى من رمضان، تتعلق بتبعات الإدمان على تدخين السجائر والشيرا والحشيش وكل الموبقات المماثلة من حبوب هلوسة أو قرقوبي ومعجون وما جاورها، وتنتهي بحوادث دامية على إيقاع العصي والسكاكين في معارك تكون أكثر ضراوة وقد تختتم بإزهاق أرواح بريئة، ودون سبب معقول أو مقبول.
 وتفيد المصادر أن مصالح الأمن بمدينة فاس أنجزت عدة مساطر في المجال تم إثرها تقديم أشخاص تورطوا في أعمال عنف لم يسلم منها حتى أفراد أمن، كما الحال بالنسبة لعناصر الشرطة السياحية بفاس الذين اشتبكوا الجمعة الماضي بباب بوجلود مع عائلة مرشدين سياحيين غير مرخص لهم، في “معركة”، كادت تتطور إلى ما لا تحمد عقباه.  
أما بمدينة تاونات فاعتقلت مصالح الأمن بالمنطقة الإقليمية، شخصين وضعا رهن الحراسة النظرية بسبب الترمضينة بعدما وقع شنآن بينهما ورجل أمن كان مرفوقا بزوجته بحي الرميلة، ما تطلب طلب النجدة وحضور دورية أمنية اقتادت المعنيين إلى مخفر الشرطة، حيث تطورت الأمور إلى ضرب وجرح أصيب إثره شرطيان بجروح متفاوتة الخطورة.
أصيب الشرطيان بجروح في وجهيهما ومنحت لهما شهادتين طبيتين تثبتان مدة العجز المؤقت في 20 يوما، كانت كافية لإيقاف الشابين وتقديمهما أمام وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بتاونات، بعدما قادتهما “ترمضينتهما” إلى السجن على غرار أشخاص آخرين أنجزت في حقهم مساطر لتورطهم في جرائم مختلفة بعدما لم يتحكموا في أعصباهم في لحظات غضب عابرة.      

حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى