دوليات

المغرب وتركيا وتونس تلاميذ في مدرسة “أحد الرحيل”

لم يهز شباب حركة «تمرد» وأنصار الائتلاف الوطني عرش محمد مرسي، رئيسا إسلاميا لما بعد ثورة 25 يناير المدنية، بل أسقطوا معه وهم الأغلبية العددية والقواعد البشرية التي كانت الحركات الإسلامية، باختلاف مرجعياتها المذهبية والإديولوجية، تتكئ عليها لبث الرعب في قلوب خصومها وإجبارهم على التراجع، كلما تعلق الأمر باستعراض للقوة في الشارع العام.
إنه حال المغرب، حيث تستأسد جماعة العدل والإحسان وحزب العدالة والتنمية ومختلف تنظيماتها الموازية على الشارع، وهو حال تونس والسودان (حزب المؤتمر الوطني ضمنا) ولبنان (حزب الله حسن نصر الله) وتركيا، حيث أعطى الطيب أرودغان، رئيس الحكومة، قبل أيام، الإشارة إلى ملايين من مريدي العدالة والتنمية لاحتلال ساحة «تقسيم»، وطرد عدد من المدافعين عن البيئة، وجرجرتهم مثل خراف أمام كاميرات العالم.
فلأول مرة منذ الصعود المخيف للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين في مصر، يبدو المشهد متكافئا، إلى حد بعيد، بين ساحة رابعة العدوية، حيث يرابط أنصار محمد بديع عبد المجيد سامي وحزب العدالة والحرية، وبين حشود المصريين الذين أخرجتهم مجرد عريضة حالمة لصحافي اسمه محمود بدر إلى ميدان التحرير لتصحيح مسار ثورة كبيرة سرقت منهم في واضحة النهار، وقدمت قربانا للإسلاميين على مذبح انتخابات شرعية فاز فيها مرسي بـ51 في المائة من مجموع أصوات المصريين، قبل أن يعيث فيهم حروبا رجعية بدأت من الإعلان الدستوري سييء الذكر، ولم تنته، على مدار سنة ونصف، بمشاريع قتل مظاهر الحياة لشعب يتنفس الحياة، والتهئ التدريجي لإنزال مشروع الخلافة على منهاج حسن البنا.
إنه أحد الدروس القوية للموجة الثانية من الثورة المصرية التي انطلقت الأحد الماضي، ورفعت مطلبا واحدا في وجه الرئيس بالرحيل الفوري وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة تعكس روح ثورة 25 يناير التي قدمت فيها الأمهات المصريات أكثر من أربعة آلاف فلذة كبد من أجل إزاحة فرعون اسمه حسني مبارك، ولم يتصورن، في أقوى لحظات تشائمهن، أنهن يهدين دماء أبنائهن إلى فرعون جديد.
لقد دشن «أحد الرحيل» إحدى اللحظات الفارقة في تاريخ الشعب المصري. شعب إذا أراد الحياة، فعل ذلك بإصرار منقطع النظير، مكسرا جميع الأغلال والقيود وأوهام الإجماع والتوافق، ومتمردا على الشرعيات الوهمية، أو حكم الأغلبية النسبية جدا. إنها كتابة أخرى للثورة المصرية المبهرة التي أطلقت شرارة الربيع العربي ونقشت شعار ارحل التي تحول إلى أيقونة الحراك العربي من النهر إلى النهر.
الدرس الآخر للموجة الثانية للربيع العربي، أن الحركات الإسلامية في عدد من الدول العربية، وأساسا مصر وتونس والمغرب ونسبيا ليبيا، فشلت في إهدار فرصة ذهبية للحكم، باعتباره هدفا ظلوا تتطلع إليه منذ عقود، مثلما فشلت الحكومات الملتحية في إظهار حناء يدها في تسيير دواليب والسياسات العمومية وتدبير شؤون المواطنين والناخبين في مجالات حاجياتهم الاقتصادية والاجتماعية والتنموية الحقيقية، بعيدا عن الادعاء والاختباء وراء قاموس الأخلاق والمؤامرات ودغدغة شعور تابعيهم بمقولة الآخر «يريد بي شرا ويضع لي العصي في العجلات». الدرس الثالث في مدرسة «تمرد» أن الشعوب العربية ستختار الخبز والكرامة، إذا خيرت بينهما وبين شيء آخر يشبه الأحلام والأماني وعجن الكلام. ولأجل ذلك لن تعول حركات الإسلام الإسلامي والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية على كتلها البشرية الثابتة التي «تستنفر بها خصومها، بل قد تتوقع تغييرات جوهرية في جغرافيا الولاءات، ما قد يدفعها إلى تبني خطاب واقعي يعيدها إلى صفوف الأحزاب السياسية العادية التي تتدافع من أجل الحكم، وقد تفشل، وقد تصيب دون عقد موغلة في الميتافيزيقا.
إنها بعض دروس «أحد الرحيل»…فهل من ملتقط؟

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق