fbpx
وطنية

احتساب “عدد المقيدين” لا يخالف الاختيار الديمقراطي

القاسم الانتخابي صدر عن أغلبية ممثلي الأمة وأحيل على المحكمة الدستورية لاستكمال مسطرته التشريعية

بقلم: صلاح الدين الشنكيطي(*)

في استمرار للمنهج الذي اعتمدناه في مقاربة تفاصيل هذا الموضوع، سنستعرض أولا مضمون الرأي الذي يعتبر أن احتساب القاسم الانتخابي على أساس “عدد المقيدين” في اللوائح الانتخابية، يتعارض مع ثابت “الاختيار الديمقراطي” الذي نص عليه الدستور، من خلال الاقتباسات الآتية:
• “إن اعتماد القاسم الانتخابي فيه مساس بجوهر العملية الديمقراطية وإخلال كبير بالاختيار الديمقراطي الذي ارتضته بلادنا ثابتا دستوريا لها”. (البيجيدي: القاسم الانتخابي يضرب في العمق الاختيار الديمقراطي وسنصوت ضده”).
“… إذا كانت الغاية من السياسة – حسب نص الدستور- هي المساهمة في توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة مصممة على جعل الاختيار الديمقراطي ثابتا من ثوابتها الجامعة، وبشكل قاطع لا رجعة فيه، فإن اعتماد “المقترح التكنو- سياسي” القائم على اعتبار عدد المسجلين أساسا لاحتساب القاسم الانتخابي، وبناء المؤسسات المنتخبة على قاعدته، يعتبر إجراء منافيا للدستور نصا وروحا”. (الحبيب الشوباني: احتساب “القاسم الانتخابي” على أساس “عدد المسجلين”: وجهة نظر في بيان موانعه الدستورية).
• “… فتكريس الاختيار الديمقراطي كثابت دستوري لا يأتي بالتراجع عما حققته بلادنا في هذا المجال، وأن التأويل الذي اعتمد لتمرير هذا التعديل غير دستوري ومجانب للصواب، وفي هذا السياق نستند لمقتضى الفصل 42 من الدستور الذي يعتبر جلالة الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي… (مذكرة ملاحظات فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، الموجهة إلى المحكمة الدستورية).
فهل تقدم هذه المقتطفات عناصر حجاجية قوية للاستدلال على خرق قاعدة احتساب القاسم الانتخابي لثابت من ثوابت الدستور؟ قبل الجواب عن هذا السؤال، لنتعرض أولا لمعنى ثابت “الاختيار الديمقراطي” الوارد في الدستور، والذي يظهر في الفصول الأول، و42 و175 منه، كالآتي:
< ثابت "الاختيار الديمقراطي"، يندرج ضمن المواضيع التي لا يجوز للجهات المخول لها مراجعة الدستور تعديلها، فهذا الاختيار، إذن موجه لسلطة التعديل الدستوري، وليس إلى المشرع العادي، وهو يصوغ قواعد قانونية تهم تفصيلا من تفاصيل النظام الانتخابي لمجلس النواب؛
< ثابت "الاختيار الديمقراطي" فصله الدستور وفقا لأحكامه ولم يجعله موضوعا للقانون، فالدستور نص على التمثيل السياسي، وعلى قواعد إنشاء الأحزاب السياسية، وأسس لمبدأ فصل السلط، ومستويات التعاون والتوازن، وكيفيات تشكيل الحكومة وزوالها، والقضاء وضمانات استقلاله، وغيرها من القواعد المحققة للاختيار الديمقراطــــــي، وهـــــي قواعـد استأثـر بالنظـر لسlـوها بتنظيمها دون أن يوكل للمشرع مهمة تنظيمها.
< ثابت الاختيار الديمقراطي، إذن موضوع نظمه الدستور، وحدد موضوعاته المتناثرة في فصله 180، وخص الملك، رئيس الدولة، بمهمة صيانته، في حين أن مجال التشريع لا يندرج ضمن هذا الطابق الدستوري، فالتشريع يعبر عن اختيارات، تهم مجالات محددة أساسا في الفصل 71 والفصول التي تحيل على القانون، ومندرجة في سلطته التقديرية المرتبطة بوظيفته التشريعية.
< إن الحجة القاطعة، على أن النظام الانتخابي لا يندرج ضمن "الاختيار الديمقراطي" هو صمت الدستور عن الإشارة إليه صراحة أو تلميحا، بل تجنب الحديث عنه، استحضارا للعلل السابقة، مما يجعله ضمن صلاحيات "المشرع العادي"، وليس "المشرع الدستوري" المعني وحده بالثوابت بما فيها "ثابت الاختيار الديمقراطي".
بعد هذا التوضيح، لنعد لتمحيص الحجج المقدمة من قبل أنصار أطروحة المخالفة، فنقول بشأنها:
< المقاطع المشار إليها أعلاه، لا توضح وجه الخرق، ولا المجال الذي أتى عليه القاسم الانتخابي، بالسلب، قياسا بثابت الاختيار الديمقراطي، فهي تتحدث عن "الإخلال" و"الخرق"…لكن أين يكمن هذا الخرق؟ وأين يتجلى هذا "الخرق"؟ مضمون المقاطع لا يجيبنا بخصوص هذا الموضوع، إن الإقناع بالحجة، لا سيما في موضوع المخالفة للدستور، يقتضي التوضيح والبيان، لا الزعم والادعاء.
< لا تفسر المقاطع أعلاه، أين يكمن التراجع عن "الاختيار الديمقراطي" في اعتماد هذه القاعدة التشريعية، في حين أن اقتراحها، والتصويت عليها والمصادقة عليها، تم في احترام للإجراءات المسطرية المحددة في الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب، كما أن موضوع التعديل يندرج ضمن مضامين القانون التنظيمي.
< إن المقطع الأخير، الوارد في مذكرة فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، يشير إلى أن صيانة "الاختيار الديمقراطي" موكولة لجلالة الملك، ومع ذلك لم تستنتج ما يجب أن يستنتج من هذا الحكم الدستوري، وهو أن هذا الموضوع، أي الاختيار الديمقراطي، لا يتعلق بالمشرع ولا علاقة له به، ويتعلق بأحكام الدستور التي يشرف جلالة الملك على صيانتها وحسن تطبيقها من خلال الأدوار المحددة طبقا للفصل 42 من الدستور.
وفي المقابل، فإن اعتماد الصيغة الجديدة لاحتساب القاسم الانتخابي، احترم "الاختيار الديمقراطي" لأنه صدر عن أغلبية ممثلي الأمة، وشرع في المجال المخصص للسلطة التشريعية، وأحيل إلى المحكمة الدستورية لاستكمال مسطرته التشريعية…وأن الاختيار الديمقراطي، يقتضي أن تنضبط الأقلية لقرارات الأغلبية، وأن تقدر موقفها، لا أن تنعته بأحط النعوت، لأن هذا جزء عنصر من عناصر الديمقراطية التي تعرف، وليس للغرابة "بحكم الأغلبية"…
(*) باحث في علم السياسة والقانون الدستوري
كلية الحقوق عين الشق بالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى