fbpx
حوادث

دراسة في القانون : دور التشريع والنظام القضائي في تسوية مشاكل المهاجرين

لبس في استفادة الأجنبي المقيم بصورة غير شرعية من الحماية من حوادث الشغل

لقد فرض موقع المغرب الإستراتيجي من حيث انتمائه إلى إفريقيا وقربه من أوربا، أن ينتقل -أي المغرب- من مجرد مركز عبور نحو أوربا  إلى مكان استقرار دائم بالنسبة إلى شريحة مهمة من الأجانب، سيما المتحدرين من دول جنوب الصحراء.
 والانتقال من مجرد مركز عبور  إلى مكان استقرار دائم، فرضته فضلا عن الوضعية الاقتصادية الصعبة
التي تمر منها معظم دول أوربا اليوم، السياسة التي نهجتها هذه الدول  في مواجهة ظاهرة الهجرة الشرعية
 منها وغير الشرعية، والتي أرغمت دول الجوار والتماس كالمغرب وتونس…
بالانخراط فيه بالنظر لإطلالها وقربها من أوربا.

فهل ما قيل بخصوص نزاعات الشغل، وعدم إمكانية الاستفادة من مدونة الشغل، يصدق كذلك بالنسبة إلى ظهير 6 فبراير 1963 الخاص بحوادث الشغل؟
  بالرجوع إلى الفصل 3 من الظهير المذكور، نجد أن المشرع المغربي بادر إلى تعريف حادثة الشغل بالقول : ” تعتبر حادثة للشغل الحادثة كيفما كان سببها التي تصيب من جراء الشغل أو عند القيام به كل شخص سواء كان أجيرا أو يعمل بأي صفة كانت، وفي أي محل كان لحساب مؤاجر واحد أو عدة مؤاجرين، وإما لحساب رؤساء المقاولات المبينة بعده ولو كان المؤاجر لا يزاول مهنة تدر عليه ربحا، وذلك حتى ولو كانت الحادثة ناجمة عن حالة قوة قاهرة أو كانت أحوال الشغل قد تسببت في مفعول القوة الطبيعية أو زادت في خطورته، اللهم إلا إذا برهن المؤاجر أو المؤمن على أن المصاب بالحادثة عرضة سهلة للأمراض .”
نعتقد أن صياغة الفصل بالكيفية الواردة أعلاه، من شأنها أن تحدث لبسا كبيرا، سيما أن المشرع استعمل عبارة ” بأية صفة كانت”، وهي عبارة  جاءت عامة قد توحي بأن الأجنبي المقيم إقامة غير شرعية متى أصيب بحادثة شغل قد يكون مشمولا بالحماية المقررة في الفصل المذكور.
أي أثر للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان في تسوية وضعية المقيمين غير شرعيين؟
سنتناول هذا المبحث من خلال مطلبين نخصص الأول لاستعراض أهم الاتفاقيات ذات الصلة بالموضوع، وكيف تأثر الدستور المغربي الجديد بها ؟ على أن نخصص المطلب الثاني لبحث فيما إذا كانت هناك إمكانية للتوفيق بين هذه الاتفاقيات والنظام العام المغربي بالشكل الذي من خلاله يمكن تسوية مشاكل هاته الفئة المقيمة إقامة غير شرعية فوق التراب المغربي .
الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان .
هناك مجموعة من الصكوك التي تعنى بحقوق الإنسان منها ما له طبيعة عالمية ومنها ما له طبيعة إقليمية ليس إلا .
ومن بين الصكوك ذات الطبيعة العالمية نجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدان الدوليان لسنة 1966 .

أولا : الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 دجنبر 1948، وهو يتضمن بالإضافة إلى ديباجة 30 مادة تحدد مجمل الحقوق والحريات الأساسية للإنسان.
وتتضمن المواد من 4 إلى 21 الحقوق المخولة لكل فرد بتفصيل، إذ نجدها تؤكد الحقوق المدنية والسياسية المعترف بها، والتي من بينها الحق في الحياة والحرية والسلامة الجسدية والحق في التنقل واختيار محل  إقامته داخل حدود كل دولة، وحق اللجوء إلى بلاد أخرى هربا من الاضطهاد.
وتعتبر المادة 22 من الإعلان، مقدمة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان، ومنها الحق في العمل وحرية اختياره وفي الحماية من البطالة والحق في أجر مساو للعمل دون تمييز والحق في الانضمام إلى نقابة لحماية مصلحته.
وكل دولة طرف ملزمة طواعية، بأن تجعل تشريعها وممارستها الوطنية متلائمة مع الالتزامات القانونية الدولية، وبالتالي تصبح مسؤولة سواء اتجاه مواطنيها واتجاه الدول الأطراف الأخرى واتجاه المجتمع الدولي بكامله.

ثانيا/ العهدان الدوليان لسنة 1966 الأول خاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والثاني بالحقوق المدنية والسياسية.
إلى جانب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نجد العهدان الدوليان لسنة 1966، الأول خاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والثاني بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين لم يكتفيا بترديد المبادئ العامة الواردة في كل من الميثاق والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإنما حاولا إرساء التزامات محددة بالاعتراف بالكرامة اللصيقة والواجبة لأي عضو من أعضاء العائلة البشرية وبالحقوق المتساوية، والعمل على الاحترام العالمي والفعال لحقوق الإنسان، أي أن العهدان قد ارتقيا بجهود الأمم المتحدة من مستوى الوعي والاعتراف إلى مستوى حماية هذه الحقوق.
ومن حيث المحتوى تضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ديباجة وثلاثين مادة أقرت مبدأ المساواة بين الذكور والإناث في التمتع بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في العهد كالحق في العمل الذي يعني إتاحة إمكانية كسب الفرد لرزقه.
ومن الناحية الاجتماعية أقر العهد حق كل شخص في الضمان الاجتماعي والرعاية الكافية والتربية والتعليم.
وعلى الصعيد الثقافي أكد العهد ضرورة مشاركة الفرد في الحياة الثقافية والتمتع بفوائد التقدم العلمي وبتطبيقاته وبحريته التي لا غنى عنها في البحث العلمي والنشاط الإبداعي.
 أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فقد أكد مجموعة من الحقوق انطلاقا من النص على الحق في الحياة الذي رغم من أنه حق طبيعي وملازم للإنسان، فإن لجوء بعض الأنظمة الحاكمة إلى إهداره تعسفا لأسباب عنصرية أو عقدية أو سياسية  قد أملى ضرورة التأكيد عليه من خلال منع إخضاع أي فرد  للتعذيب والمعاملة اللا إنسانية أو العقوبة القاسية أو الحاطة بالكرامة أو استرقاقه أو إخضاعه للعبودية أو السخرة أو العمل الإلزامي.
ومن هذا المنطلق، فقد تم التنصيص على حرية اختيار الفرد لمكان إقامته، ومن حقه في الانتقال والمغادرة والمساواة أمام القضاء.
ومن الطبيعي أن هذه الحقوق والحريات لا يمكن أن تضمن إلا بمساواة الأفراد أمام القانون دون تمييز لأي سبب كالعرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب.

بقلم:  يونس العياشي: قاض ملحق بوزارة العدل والحريات
– دكتور في الحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى