fbpx
مجتمع

نصف قرن وسط الكتب المستعملة

أشهر بائع كتب مستعملة في الرباط يقضي ساعات في القراءة والسفر عبر الزمن

يحمل في يده كتابا بلغة أجنبية، ويمعن فيه النظر، غير مبال بعشرات الأشخاص الذين يمرون بالقرب منه. يضع في كل زوايا محله الصغير، الذي يوجد في أحد أزقة المدينة القديمة بالرباط، الكثير من الكتب، بعضها فعل الزمن فعلته فيه، فيما أخرى مازالت تحافظ على شكلها الأصلي. إنه محمد العزيزي، أشهر بائع كتب مستعملة في العاصمة الإدارية، والذي يقصده الكثير من الرباطيين وزوار المدينة أيضا، للبحث عن كتب محددة، وغالبا ما يجدون ضالتهم عنده.
 لا يمكن أن يمر يوم واحد دون أن يتفحص، أشهر بائع كتب مستعملة في الرباط، أحد الكتب الموضوعة بالقرب منه. قرأ آلاف الكتب في تخصصات كثيرة، ولا يمل من ذلك. يجلس في انتظار الزبون المفترض، في محله الصغير، يقرأ ويقرأ ثم يقرأ، إلى أن يأتي موعد ترك المكان وإغلاق المحل.  ورغم أنه يظل في ذلك المكان، ساعات طويلة، فإنه يسافر عبر الكتب إلى مناطق كثيرة، ويكشف ثقافات عديدة، فقبل أن يبيع أي كتاب وصل إليه، يحرص على معرفة ما يتضمنه والرسائل التي يحملها.
 
العيش وسط الكتب
 يعيش منذ 1963 وسط الكتب. يستيقظ صباحا ويقصد محله، ليظل ساعات طويلة فيه، قبل أن يعود في المساء إلى منزله. لم يخطط لبيع الكتب المستعملة، أو ليصير أشهر بائع لها في الرباط، إنما جاء كل ذلك صدفة، على حد قوله. ففي الوقت الذي استطاع جمع سلسلة من أشهر الكتب في فترة الستينات، فكر في بيعها لأحد المحلات الخاصة بذلك، إلا أنه فشل في المهمة، ووضع خطة أخرى، وعرضها على الأرض، للبيع، وهناك بدأت حكايته مع الكتب المستعملة، والتي مازالت مستمرة إلى اليوم.
يقول الرجل إنه لمدة لا تقل عن 12 سنة، استمر في بيع الكتب على الأرض، يجلس إلى جانبها، لقراءة ما تيسر منها، وخلال تلك الفترة ازداد حبه للقراءة وللكتب، “كان من المستحيل أن أظل ساعات طويلة بجانب الكتب دون قراءة بعضها. تعلمت واكتسب خبرة كبيرة بفضل هذه الكتب، ومازالت بفضلها أتعلم”، يوضح الرجل قبل أن يضيف أنه يعتبر بيع الكتب المستعلمة، كنزا لا يقدر بثمن.
حب الرجل لقراءة الكتب التي يعرضها للبيع، لم يتغير حتى بعدما تمكن من الانتقال إلى أحد المحلات الصغيرة بالمدينة القديمة، إذ ظل متشبثا بتقاليده الخاصة بقراءة الكتب. “لم يكن من السهل الانتقال من بيع الكتب على الأرض إلى محل، إذ كافحت كثيرا وحرصت على الادخار وعدم هدر ما كنت أجنيه من عملي. استغللت مرحلة شبابي، بشكل إيجابي، سيما أنني بدأت العمل في سن 15 سنة، وفارق والدي الحياة في الوقت الذي كان فيه عمري لا يتجاوز 6 سنوات”، مشيرا إلى أنه بفضل مهنته تعلم الكثير.

 الحاضر الغائب
يظل محمد غائبا عن العالم الذي يحيط به، كلما حمل كتابا في يديه، إذ تتوقف بالنسبة إليه، عقارب الساعة، قبل أن يعود إليه، للإجابة عن سؤال أحد زبنائه، سيما أن معظمهم يقصدون المحل بشكل منتظم لاقتناء أو كراء أحد الكتب الموضوعة أمامه، فيما يشد، جلوسه وسط الكتب بطريقة مميزة، انتباه آخرين، فيقررون اكتشاف عالمه الخاص والمثير بالنسبة إليهم، واقتناء بعض الكتب قبل الرحيل.  يغادر محمد، مكانه للبحث عن كتاب لزبونه، ليعود إليه مرة أخرى، لإتمام القراءة، إلى أن يحين موعد المغادرة.  يقصد محمد سوق الكتب المستعملة الاقتناء ما يحتاج إليه وما يرغب فيه أيضا زبناؤه، ويعود إلى محله الصغير، لإعادة بيعها، وقبل ذلك، يتفحصها ويحرص على اكتشافها، سيما أنه لا يمل من القراءة ولديه الوقت الكافي للاستمتاع بذلك.
يقول الرجل، إنه بعد سنوات طويلة من بيع الكتب المستعملة، لمس اختلافا في ما يخص الزبناء الذين يقصدونه، ففي الوقت الذي كان فيه الرجال أهم زبنائه، والذين كانوا يحرصون على اقتناء بعض أنواع الكتب لقراءتها أو لإنجاز أبحاث معينة، تغير  الوضع، وأضحى أغلب زبنائه من النساء والفتيات “قضيت عمرا طويلا وسط الكتب، أي أكثر من 56 سنة، راكمت خلالها  تجربة مهمة في هذا المجال، وهو ما يجعلني أؤكد أن القراءة بالنسبة إلى نسبة كبيرة  من الرجال صارت خارج اهتماماتهم، عكس النساء، واللواتي زاد إقبالهن على اقتناء الكتب والقراءة بصفة عامة.
يظل العزيزي في محله بين الكتب، ومازال الى اليوم في الوضعية ذاتها، ليشد انتباه الذين يمرون بجانب محله، منهم مغاربة وأجانب أيضا، ما يجعله من أشهر بائعي الكتب المستعملة في العاصمة الإدارية، وصاحب أحد المحلات التي يقصدها بعض السياح لالتقاط الصور التذكارية.

 إيمان رضيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى