fbpx
افتتاحية

درس الفنيدق

كان منتظرا أن تنفجر الأوضاع في منطقة “ما” قريبة من المناطق الحدودية المغلقة، فانفجرت.
فإن لم تكن الفنيدق، فتكون الناظور، أو بني نصار، أو تطوان، أو المضيق، وغيرها من التجمعات السكنية، التي بنت جزءا كبيرا من اقتصادها ورواجها ومعيشها و”قيمتها المضافة” على عائدات السلع القادمة من سبتة ومليلية المحتلتين.
فما وقع الجمعة الماضي، كان متوقعا أن يقع، ربما ليس بالطريقة نفسها التي وصل فيها الغضب إلى الحناجر، وتمثل في الحجارة والهراوات والاعتقالات، لكن بصيغ أخرى لإيصال رسالة مهمة إلى المسؤولين في الرباط، مفادها: “فيقو من النعاس، ونوضو ديرو لينا شي حل”.
ففجأة، تحولت الأنظار كلها إلى هذه المدينة الهادئة والجميلة في أقصى شمال المغرب، التي لا يزيد عدد سكانها عن 80 ألف نسمة، إذ تصدرت احتجاجات الفنيدق الصفحات الأولى للصحافة والمواقع ونشرات الأخبار، خصوصا بـ”الجارتين” إسبانيا والجزائر، اللتين اعتبرتا مناوشات بين مواطنين ورجال أمن انتصارا لأطروحتهما، وورقة ضغط على المغرب لتنفيذ أجندات معطلة في أدمغتهما.
وإذا كانت الأمور قد انتهت إلى هذا الحد، وعاد كل واحد إلى منزله في اليوم نفسه، مع مطالب بإطلاق سراح المعتقلين، فإن الفنيدق أعطتنا جميعا، درسا بليغا، بأنه لا يمكن التهاون بخصوص القضايا الحيوية، ولا يجب تأجيل الملفات ذات الحساسية المفرطة، مثل ملف المناطق الحدودية، التي تضعها الدول والحكومات ضمن أولوياتها.
لقد نبهنا مرارا في صحافتنا إلى أن الأمور ليست على ما يرام في المدن والمداشر والمراكز الحضرية القريبة من الثغرين المحتلين، وقلنا إن قرار إغلاق المعابر الجمركية والبرية (رغم خلفيته السيادية وارتباطه بتنزيل مشاريع مهيكلة كبرى على المدى البعيد)، لا يعفي الحكومة من إعداد برنامج إنقاذ عاجل على المدى القصير لتعويض آلاف المواطنين، الذين كانوا يعيشون على التهريب.
فصحيح أن المشاكل شديدة التعقيد ويتداخل فيها الاقتصادي والاجتماعي بالتنموي والاستثماري، وبالوضع العام، الذي تعيشه البلاد، بسبب تداعيات أزمة “كوفيد 19” الخانقة، لكن ذلك لا يمكن أن يكون حجة لعدم التحرك لوضع آليات للحوار والتشاور والتنسيق والحكامة الجيدة مع السكان المعنيين، أو مع ممثليهم الشرعيين، وصياغة أرضية للتفاهم والثقة مع المتضررين، والوفاء ببرنامج أولي لجبر الأضرار، التي تسبب فيها قرار الإغلاق، عبر آلية للتعويض، أو البحث عن فرص عمل بديلة ذات مفعول سريع.
والغريب، أن الحكومة لا تعدم التشخيص الدقيق للأوضاع بعد قرار الإغلاق وما ستؤول إليه الأمور، كما لا تعدم أيضا التوصيات والحلول والبدائل المختلفة، التي وفرها لها المجلس الاقتصادي والاجتماعي في وثيقة مرجعية نشرت في الجريدة الرسمية، لكن يبدو أن لا حياة لمن تنادي.
إن الفراغ الذي تركته السلطات العمومية في التعاطي مع قنبلة اجتماعية معدة للانفجار، هو الذي مهد لحالة الغضب القصوى، التي التقطها بعض المتربصين باستقرار البلد، وحولوها إلى حجرة ملتهبة في الشارع، ثم كان طبيعيا أن يقع ما يقع من ردود أفعال عنيفة بين قوات حفظ الأمن والمحتجين وجروح واعتقالات، في ما بعد.
الفنيدق ناقوس إنذار.
علينا أن نستمع إليه جميعا.
وإلا فات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى