fbpx
افتتاحية

السكوب

كنتُ في سيارتي، مساء الأربعاء الماضي، عائدا من زيارة عائلية، حين رن هاتفي. استرقت النظر إلى الشاشة، وقرأت اسم صديقي “المقرب جدا من الملفات الكبرى”. استغربت، وعدت سريعا للتركيز على السياقة، وعشرات الأسئلة تتراقص في ذهني عن السبب الذي يجعل “مصدري” “يجرؤ” على الاتصال بي في هذا الوقت، وماهو الخبر “القاهر”، الذي يدفعه إلى المغامرة بكسر قواعد الاحتياط والتحفظ، وهو المسؤول النبيه في حركاته وتحركاته وكلامه.
ينقطع الاتصال، ثم أسمع، بعده، رنة رسالة على تطبيق “واتساب”، توقفت، وفتحت الرسالة المكتوبة بلغة فرنسية أنيقة “بعد عشر دقائق، في المقهى المعلومة”. تحركت بالسيارة مجددا، ووصلت قبل الموعد.
في الركن نفسه، كان يرتشف قهوته، ويضع، هذه المرة قبعة تخفي نصف وجهه، بينما يخفي عنقه في “كاشكول”، اتقاء للسعات برد قارس.
ألقيت عليه تحية القبضتين بطريقة “كوفيد 19″، وطلب مني أن أجلس وأستمع جيدا، لأن ما يحمله لي يتطلب الكثير من التركيز.
“واش حتى لهاد الدرجة أستاذ”، قلتها له مازحا كعادتنا حين نلتقي في مواعد خاصة، قبل أن يرد علي بأن الأمر مهم للغاية، وما سيحكيه لي من معطيات لم تمر عليه سوى ساعات، بل إنه غادر مباشرة بعد انتهاء اجتماع، وصفه بالمزلزل في تاريخ البلاد.
بلعتُ ريقي، واستويتُ في مقعدي، ثم أصخت السمع:
كان صديقي واثقا من معلومات يسردها بأفكار مرتبة، هامسا لي بما مفاده، أن تعليمات صارمة وصلت صباح اليوم نفسه لعقد اجتماع عاجل بحضور كبار المسؤولين في الدولة.
قال لي إن “الجميع” كانوا في الموعد على الساعة التاسعة صباحا، حين خرج “مسؤول” من باب مفتوح إلى قاعة الاجتماع، وأعطى الإذن بقراءة ما اعتبره قرارات حاسمة سترى النور في الأيام القليلة المقبلة.
مد يده إلى جيب معطفه، وأخرج ورقة بيضاء صغيرة، فتحها، ثم قال لي اسمع أول قرار:
-تشكيل هيأة عليا مستقلة للإشراف على انتخابات 2021، بعيدا عن وزارة الداخلية، مشكلة من شخصيات مشهود لها بالنزاهة والاستقامة، وستتسلم عملها قبل نهاية الأسبوع.
وحتى قبل أن أبتلع دهشتي، قال لي أما القرار الثاني، فهو:
-سحب جميع القوانين المنظمة للانتخابات، من أجل تنقيحها وحذف كل ما شأنه أن يحجر على حق المواطنين في تصويت حر وديمقراطي، في إطار منافسة شريفة بين الأحزاب، بعيدا عن القيود والضبط القبلي.
-تنظيم الانتخابات في موعدها المعلن، بلوائح انتخابية جديدة، وإلغاء التصويت ببطاقة الناخب، واعتماد البطاقة الوطنية، مع التخلي عن أي مظهر من مظاهر وجود رجال وأعوان السلطة في العمليات الانتخابية، وتعويضهم بفرق من المجتمع المدني ستخضع إلى التدريب.
-استقبال مراقبين دوليين، وتوفيرالشروط والظروف لجمعيات حقوق الإنسان لتتبع جميع مراحل الانتخابات وإعداد تقارير بشأنها.
-انسحاب وزارة الداخلية الفوري من جميع المهام والاختصاصات، التي لا تندرج في صلب عملها الإداري الصرف، إسوة بجميع وزارات الداخلية في الدول الديمقراطية، ومنح رئيس الحكومة دور الإشراف على سير المؤسسات من موقع الاختصاص الدستوري.
صمت صديقي برهة، وهو يحدق في ورقته الصغيرة، مترددا في تلاوة ما تبقى من قرارات صادرة عن الاجتماع نفسه، ثم رفع نظره، فوجدني بعينين مشدودتين تطلبان المزيد… ابتسم وقال لي: “متكونش طماع، باراكا عليك هاد الشي…(…)”.
كانت كلماته الأخيرة غير مسموعة بشكل جيد، كأنها تأتي من قعر بئر مختلطة بأصداء كلمات أخرى، حاولتُ عبثا أن أتبين مصدرها، قبل أن أحس بكف باردة فوق جبيني المتعرق، وصوت صغير يهمس في أذني:
“فيق أبابا تعطلتي على الخدمة”.
كان صوت ابني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى