fbpx
افتتاحية

ارحل!

بلغ السيل الزبى في البيضاء. ضحايا وانهيارات على رؤوس مواطنين ممنوعين من الخروج بعد الثامنة مساء، بذريعة الحجر الصحي. ولم يعد الأمر يقتصر على أضرار في محلات أو أعطاب في سيارات، أو تأخر المصالح والأعمال، فقد دفن سكان وهم نيام، ومع ذلك لم يخرج مسؤول إلى مواقع الموت، وكأن البيضاويين لا يستحقون أن يخرج العمال أو رؤساء المقاطعات تحت المطر بـ”البوط” لمعاينة ما يقع، على الأقل.
تتحمل سلطات المدينة ومنتخبوها كل المسؤولية عن الخسائر المسجلة، أمس الجمعة، لأنهم لم يبادروا إلى إخلاء المساكن الآيلة للسقوط، ولم ينقلوا أصحابها إلى بنايات آمنة، إلى أن تمر أيام النشرة الحمراء، التي يبدو أنها لم تؤخذ مأخذ الجد في مكتب الوالي وديوان العمدة، ظانين أن لغة التأجيلات والحسابات ستنتصر بعد هدوء العاصفة، وسيمر غرق البيضاء مرور الكرام، دون الانتباه إلى أن في خيار الصمت وأد للديمقراطية والدستور الذي ينتصر لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
تأكد جليا، في الأيام القليلة الماضية، أن سفينة أكبر مدن المغرب تبحر بلا ربان، وأن اختفاء الوالي والعمال، والعمدة وأعوانه، لا يمكن تفسيره إلا بالتملص من المسؤوليات وتقاذف الإخفاقات. فعوض امتلاك الشجاعة للخروج من كواليس الانتظار والتسويف، إلى ميدان المواجهة، اختاروا لعب ورقة فتور الغضب مع مرور الزمن.
لم يخرج سكان البيضاء احتجاجا على تدني خدمات مرافق عمومية، كما وقع في مدن الشمال، لكن لا أحد يضمن طول صبرهم، على استهتار الماسكين بزمام المدينة، لذلك وجب وقف نزيف الثقة في الدولة، وتدارك أعطاب نظام مجلس مدينة ضيع البيضاء في متاهة الصلاحيات المتداخلة، فاتحا بابا خلفيا للهروب من المساءلة.
لن يستفيد المواطنون الغارقون في الأوحال من محاكمات صورية تنتهي بطي الملفات، بلا غالب أو مغلوب، ولن تعوض الخسائر بالبحث عن أكباش فداء، لكن من حق البيضاء على الدولة أن تحميها، وتتدخل لتخلصها من مسؤولين فاشلين حملتهم إلى مواقع التدبير تجاذبات جنون السياسة ومكافآت ريع الولاءات.
لقد دقت ساعة إعادة النظر في “كاستينغ” اختيار كبار مسيري المدينة، بتفعيل حقيقي لمبدأ التعيين وفق دفاتر تحملات، حتى لو استدعى الأمر إدخالها زمن حكم التقنوقراط، ما دامت كل الألوان والشعارات قد فشلت في النهوض بها، واتضح أن أجندات أخرى تعرقل حسن تدبيرها، فقد تداخلت المناورات الانتخابية السابقة لأوانها مع تسريبات لوائح تنقيلات مرتقبة في الإدارة الترابية، لترسم مشهدا عبثيا.
تستحق البيضاء جدية أكبر في التعامل معها، بالنظر إلى عدد سكانها، وحجم معاناتهم، وسرعة في الإنجاز تواكب سرعة تمددها، قبل أن تنطق مواقع الموت غرقا بكلمة… “ارحل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى