fbpx
حوادثمقالات الرأي

أركيب: التوثيق العدلي ومكانته في التعامل المالي

أحقية العدول في التوثيق نتيجة حتمية فهم أهله وذلك بالأمر الشرعي والسبق التاريخي والأداء الواقعي

بقلم: إسماعيل أركيب*

التوثيق العدلي ليس وليد اليوم، كباقي وجوه وصور التوثيق الأخرى، بل هو قديم وضارب في جذور التاريخ لعلاقته الوطيدة بالفقه الإسلامي، فهو علم إسلامي محض كأصول الفقه، ويتمتع بكامل الحجية ولا يطعن فيه إلا بالزور.

علماؤنا الأجلاء أسسوا هذا العلم الفذ والفريد منذ الوجود الإسلامي بالأندلس، وأنشؤوا له مكتبة لا نظير لها في العالم توثق للفرد المسلم من ولادته بإثبات شرعية نسبه لوالده مع أمه بعقد زواج شرعي موثق وموقع من طرف عدلين، منتصبين للإشهاد وبالحفاظ على أحواله الشخصية وممتلكاته في حياته وتوزيع تركته على ورثته بعد موته وعلى تفعيل وصيته والحرص على تنفيذها بكل أمانة وتجرد.
كل الطرق اللغوية والفصول القانونية فضلا عن الإذن الإلهي بدليل أطول آية في القران العظيم تثبت أن العدول موثقون بكل ما في الكلمة من معنى حدث، هذا في وقت لم تكن سائر وجوه التوثيق الأخرى شيئا مذكورا، والتاريخ خير شاهد على ذلك.
ثم إن القاضي المكلف بالخطاب على الرسوم العدلية هو قاضي توثيق لا قاضي عدول كما نص على ذلك بعض المهتمين، لأنه أمر لم يختلف ولن يختلف فيه اثنان منذ الأزل وإلى الأبد، وما الحملة على العدول من قبل بعض الموثقين، إلا زوبعة في فنجان تعتمد على المغالطة والتضليل لحاجة في نفس يعقوب. فالحقيقة “ما ضر البحر أن رماه غلام صغير بحجر”.
وأحقية العدول في التوثيق نتيجة حتمية فهم أهله وذلك بالأمر الشرعي والسبق التاريخي والأداء الواقعي وكلها عوامل تضافرت واجتمعت وتجسدت في وثيقة البيعة التي تشرف عدلان بتوقيعها إيذانا بمدى ارتباط المغاربة قاطبة بالعرش العلوي المجيد إلى الأبد.
ألا يعرض مجرد التشكيك صاحبه في أنها وثيقة إلى المساءلة ويدل على جهله وتفاهة موقفه وسخف حكمه بل وعلى جحوده.

علمته الرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي *** فلما قال قافية هجاني

كيف لا وفي أي وثيقة من وثائق من يتبجحون اليوم لابد أن تجد فيها عبارات مقتبسة من التوثيق العدلي والأمر باختصار يحوم حول المثل المغربي الدارج “غرسو يقلعك “.
والعدول، كما هو معلوم، هم حجر الزاوية في المنظومة القضائية بالمملكة الشريفة. وإيمانا منهم بهذا الدور المحوري ومواكبة منهم لعالم الرقمنة والعولمة وخاصة في ميدان المالية الرحب، أصبح لزاما عليهم أن يشاركوا بكل ما أوتوا مع إخوانهم الموثقين العصريين جنبا إلى جنب في تلقي شهادة السكن الاجتماعي ورفع الرهون والتعامل مع البنوك وصندوق الإيداع والتدبير وكل ما يتعلق بالمالية.
وما دامت المالية تخضع للعملية التوثيقية، فكيف تكون حلالا على بعض أهل التوثيق، حراما على بعضهم الآخر بطريقة اعتباطية، أو حبا في الانحياز ليس إلا.
فلا داعي للتمسك بمبررات لا تستند على منطق للبقاء دائما وبلا منازع على رأس الهرم المالي والاستفراد به والاستحواذ عليه إلى ما لا نهاية، بتضليل الرأي العام وتوهيم المسؤولين بأن العدول ليس بمقدورهم التعامل مع المارد المالي إلا أننا نعتقد جازمين أن العكس هو الصواب.
وقد أبدى العدول في وقت وجيز تجاوبا كبيرا وتفوقا عظيما أثناء تعاملهم المباشر بعد التكوين طبعا مع التسجيل الإلكتروني لرسومهم العدلية بأنفسهم، وتعد هذه التجربة مؤشرا فعليا ودليلا قويا على استعدادهم التام للانضمام إلى عالم المالية وتطلعهم الكبير لولوجه من بابه الواسع، وقابليتهم للإحاطة بجوانبه وآلياته وأدق تفاصيله كيف لا والإحصائيات تؤكد أن هناك أزيد من خمسة ملايين متعامل مع العدول سنويا لاستجابة المكاتب العدلية للمعايير الحديثة، ما جعلها في المستوى اللائق في انتظار أخرى للالتحاق بها في تقنيات التواصل، قطعا للطريق على الأساليب التقليدية للتوثيق العدلي باستعمال ورش الرقمنة تماشيا مع الآليات الجديدة داخل المحاكم المغربية.
مع العلم أن الهيأة الوطنية للعدول إن أرادت أن تساير الركب عليها ترتب بيتها الداخلي ترتيبا يليق بالوافد المالي الجديد والتعامل معه بكل جدارة واستحقاق، سيما في عالم العقار وما يتسم به من السرعة في الإنجاز والدقة في التعاطي والإحاطة في التعامل، وذلك بالمطالبة بالتخفيف من القيود المفروضة من قبل قاضي التوثيق وبإرساء التلقي الفردي تأسيا بالموثق العصري خاصة بعد ولوج المرأة ميدان التوثيق العدلي.
وفي انتظار تحقيق هذين المطلبين يتعين على المهتمين إيجاد أرضية مناسبة للعمل، كإجبارية التكوين القانوني، لرفع أداء وقيمة الوثيقة العدلية في مجال التصرفات العقارية والمعاملات المالية في حلة جديدة لغويا وصياغة للرسوم العدلية لتعكس بجلاء مدى قابلية التوثيق العدلي للتطور بكل سلاسة وتناغم.
والتكوين المستمر هو السبيل الوحيد للدفع بالعدول للتبحر في المعاملات المالية والطريق الموصل إلى هذا الهدف النبيل، معبد بحمد الله بفضل الأساتذة الأجلاء المختصين وبالتقنيات الحديثة وبالتعليم عن بعد.
وما على العدول في الختام إلا أن يبرهنوا كعادتهم أنهم في مستوى تطلعاتهم لتأكيد تخليد بصمتهم الخاصة بهم في ذلك العالم الجميل الممتع الأخاذ، عالم المالية، ليشهد لهم هو الآخر بالفضل عبر تاريخهم الحافل بالعطاء.

* عدل بمحكمة الاستئناف بسطات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى