مياومون وأجراء وعاطلون وموظفون يعيشون مآسي اجتماعية بسبب الرهان الزائر لمقاهي القمار والرهان بمدينة مراكش يقف عند مجموعة من المآسي الاجتماعية أبطالها نماذج بشرية اختارت طريق المقامرة التي تتحول في أغلب الأحيان إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، فبمجرد ولوج هذه الأماكن يثير انتباهك نماذج بشرية تبدو على محياها الانتظار والترقب، مياومون، أجراء وعاطلون إلى جانب موظفين يرتكنون في هذه المقاهي إلى طاولة من طاولاتها فرادى أو جماعات، حسب مزاج كلّ مراهن وعاداته في الرهان، يستخرجون أوراقا أو جرائد مختصة في الرهان على الخيول، يغوصون في رموز عشرات التركيبات من الأرقام المقترحة، أمامهم فنجان قهوة أو إبريق شاي، يقدمه لهم نادل المقهى دون أن يطلبونه، بحكم معرفته المسبقة بهم وبأسمائهم وبطلباتهم، يغوصون في (علم الرهان على الخيول) الذي قد يخرجهم من فقرهم حسب اعتقادهم.« با محمد» هكذا يلقبونه مدمنو « التيرسي» بإحدى مقاهي الرهان بحي كليز، سنه تجاوز الخمسين تلازمه عربته المدفوعة « كروسة» وهي المهنة التي دأب عدة سنين ممارستها، شأنها في ذلك شأن الرهان على الخيول، يختار مجموعة من الخيول المفترَض دخولها في الرتب الأولى من «الثنائي» و«الثلاثي» (التيرسي ) وغيرها، بنيته النحيفة جعلته متميزا عند رواد المقهى المذكورة.أضحى « با محمد» مع مرور السنين والأعوام خبيرا في مختلف الخيول واختصاصاتهم في الجري والقفز والركض بالعربات، وبدونها فوق الحلبة الرطبة أرضيتها أو الصلبة من حلبات المدن الفرنسية، المعروفة والمشهورة، مما جعل «با محمد» صاحب الرأي والمشورة داخل المقهى المذكورة، لكن المثير في وضعية « بامحمد» هو وضعه الاجتماعي المؤسف بسبب عدم تحمله لمسؤولية أسرته، إذ ما فتئت هذه الأخيرة تشتكي لامبالاته، بعدما يضيع كل مايجنيه من عائدات عربته المدفوعة، وكلما طلب منه وضع حد لممارسته القمار يجيب بلا تردد « الله يعفو علي» لكن الأمر يظل بدون إرادة حقيقية .وفي السياق ذاته وغير بعيد عن طاولة « با محمد» يجلس زكريا « 34 سنة» يشتغل حارسا بإحدى شركات الحراسة الخاصة يقضي جل وقته بالمقهى يمارس القمار، ويتابع أخبار الرهان، وهو مدمن على هذا النوع من القمار الذي كان سببا في تشتيت أسرته، وفي تطليق زوجتَه أزيد من خمس سنوات يخسر ويعاود الكرة، ثم يحاول مرات أخرى بعدد المسابقات وركض الخيول، وهو يعيش على أمل الفوز وتحقيق حلمه .ومن المفارقات العجيبة والغريبة لمدمني القمار وألعاب الرهان وجود نجوم يحملون أسماء غريبة منها « ملك التيرسي» وهو معروف لدى رواد مقاهي الرهان بمدينة مراكش بأنه كان يسافر إلى أوربا لممارسة القمار، ومتابعة سباقات الرهان في المدن الفرنسية المعروفة بذلك، لكن تشاء الظروف أن يخسر كل شيء، وبالتالي أصبح يعاني الأمرين لكسب لقمة عيشه .والغريب في الأمر أن القمار وألعاب الرهان ابتلعت أسماء معروفة في عالم المال والأعمال فقدت إثر ذلك وضعها الاعتباري في المجتمع وتحول البعض منها إلى أشخاص يعيشون أوضاع اجتماعية حرجة .المقامر المغامر يجد متعة و نشوة في اللعب، خاصة في الفترة التي تسبق إعلان النتائج، إذ بعد تسطيره للتركيبات التي يراها «رابحة» وبعد اقتنائه الأوراقَ، يسرح خياله في بناء «قصور» لكل أمانيه وأحلامه إن هو صار كما هو الحال بالنسبة إلى «خالد» شاب يبلغ من العمر 35 سنة تبدو عليه علامات التوتر غير المبرر، اللهم تفكيره العميق في تفاصيل الرهان وانتظاراته الكبيرة من مقامرة تتحول إلى مغامرة حقيقية جعلته يخسر الكثير من الجهد والمال في انتظار الذي يأتي والذي لا يأتي، على اعتبار أن أغلب هؤلاء الغارقين في الرهانات، سواء كانت تخص الخيول أو «اللوطو» أو «حك» أو أنواع القمار الأخرى، «يراهنون» على الخروج من فقرهم وأوضاعهم المزرية باختيار هذه الأرقام وتلك التركيبة، ثم لا يجب إغفال الرقم الآخر ولا «التركيبة السحرية» الأخرى يبحثون عن دخل سهل معلق على وَهْمِ ربحٍ سريع من وحي خيال لا أُسس واقعية له إلا في الأحلام. يطاردون السراب أو يطاردهم ثم يندثر ويتحول إلى «كابوس»، وهم يغرقون كل يوم في أوحال تبتلعهم ولا يستفيقون منها ولو أدى بهم ذلك إلى تشتيت أسرهم وانتهى بهم إلى بيع أثاث بيوتهم. نبيل الخافقي ( مراكش)