fbpx
بانوراما

اليوسفي … شاهد على العصر

اختار المؤرخ الطيب بياض، أستاذ التاريخ المعاصر والراهن بكلية الآداب عين الشق بالبيضاء “الصباح”، للغوص في ثنايا السيرة الذاتية للفقيد عبد الرحمن اليوسفي، من خلال دراسة كتاب “أحاديث في كما جرى… شذرات من سيرتي كما رويتها لمحمد بودرقة”، وللحديث عن علاقة الذاكرة بالتاريخ وبالعلوم السياسية، على لسان “شاهد على العصر”. المؤرخ بياض رافق الراحل في لقاءات نظمت بعدد من المدن إلى جانب عدد من الباحثين والمفكرين ورجال السياسة، لقراءة وتقديم الكتاب/ الشهادة، لشخصية وطنية طبعت بمساراتها المتعددة تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، نقدم شذرات منها في هذه الحلقات.

إعداد: برحو بوزياني

دور المؤرخ في تأطير الذاكرة (الحلقة الأولى)

دعوة الباحثين إلى مواكبة السياسيين في كتابة المذكرات

أكد المؤرخ الطيب بياض أن المذكرات تشكل مادة مهمة غزيرة بالمعطيات والمعلومات التي يجود بها صاحبها على القراء من خلال سعيه إلى تقاسم جوانب من تجربته ومساره معهم، وهو بذلك يسجل شهادته على مرحلة تاريخية معينة، فاعلا فيها أو متفاعلا معها أو هما معا، فيوفر عبر مذكراته معطيات تسعف المؤرخين في استخراج مادة علمية منها، بعد غربلتها من الشوائب التي قد تكون عالقة بها، ومقارنتها بما ورد في المراجع المتعددة.
وأوضح بياض، أستاذ التاريخ والمعاصر، في حوار مع “الصباح” أنه كلما كان هناك زخم ذاكري وسخاء في كتابة المذكرات، كلما توفرت للمؤرخ مادة خام غزيرة تسعفه في القيام بالمقارنات والمعالجات الضرورية لكتابة تاريخ يتمتع بكثير من المصداقية وينضبط لقواعد صنعة المؤرخ.
وجوابا عن سؤال حول دور الفاعل السياسي في توثيق وتأريخ مرحلة من تاريخ المغرب في ظل غياب الولوج إلى الأرشيف والوثائق الرسمي، أكد بياض أن للذاكرة ثقوبها وعيوبها، ليس أقلها النسيان والتماهي مع الخيال والانتقائية وتضخم الأنا، ويميز فيها بول ريكور بين الذاكرة الاصطناعية والطبيعية، وداخل هذه الأخيرة يتحدث عن المعوقة منها والمُتلاعب بها والمأمورة بشكل سيئ. ويرى بياض أنه ليس في هذا الأمر تنقيص لدور الذاكرة، بل فقط دعوة للانتباه لثغراتها قصد تداركها في أفق استثمارها بشكل أفضل حقل التاريخ، لذلك تبقى المذكرات شهادة عن تجربة بقطع النظر عن نية صاحبها وغرضه من تقديمها، وتبقى كتابة التاريخ شيئا آخر، مختلفا تماما، رغم ما يبدو بينهما من تشابه، ما دامت الأولى محكومة بالأنا الشاهدة والثانية محكومة بضوابط البحث والنقد والتدقيق والتمحيص.
والحقيقة في كلتا الحالتين نسبية، يقول بياض، هي في المقام الأول حقيقة الذات صاحبة الشهادة وفي المقام الثاني حقيقة مختبر المؤرخ، مشيرا في حديثه عن دور المؤرخ والباحث في مواكبة الفاعل السياسي ومساعدته على كتابة المذكرات، إلى أنه من المفيد أن ينخرط الباحثون والمؤرخون في هذا الورش للقيام بتأطير منهجي لعملية تقديم الذاكرة لشهادتها، عبر الدخول معها في حوار مثمر وصريح بنَفس نقدي، أثناء جلسات الاستماع لتنشيط الذاكرة أو استفزازها، بشكل إيجابي، بأسئلة مقلقة تضعها أمام رهان المصداقية والمعقولية. وفي هذه الحالة، يقول المؤرخ، لا نكون أمام كاتب مذكرات، بل مشارك في إنتاج مذكرات، لأن الإعداد الجيد للحوار والتفاعل المنتج أثناء جلسات البوح، وتخصيب المنتوج الذاكري بسماد الأسئلة الجديرة بأن تطرح، يضمن لفعل كتابة المذكرات إسهاما في إنتاجها، ويضمن لهذه المذكرات استقبالا حسنا لدى القراء.
وأوضح بياض أن المؤرخين انقسموا في السابق بين مُعرض عن المذكرات بدعوى هيمنة الذاتية فيها، ومُقبل عليها بحماس قصد توظيفها لملء البياضات البيبليوغرافية، لكن المؤرخ في واقع الأمر، مطالب بالقيام بواجب تأطير الذاكرة للوصول إلى تقديم ذاكرة تاريخية يمكن الاطمئنان إليها.
ويطرح دائما سؤال الذاتية والموضوعية في كتابة المذكرات، ومدى حرصها على الحد الأدنى من الموضوعية، رغم أن الأمر صعب بالنسبة إلى السياسي الذي يقوم بكتابة المذكرات برؤية سياسية. وبالنسبة إلى الفاعل السياسي، ربما يكون حاضرا بشكل أكثر حساسية. لكن هل ثمة مصفاة أو غربال للقيام بشكل آلي بعملية فرز الذاتي عن الموضوعي؟ هذا أمر مستحيل في فعل الكتابة بشكل عام، وليس بالنسبة للمذكرات فقط. ويبقى السؤال في رأي بياض، أي منهج علمي يمكن اعتماده لتوسيع مساحة الموضوعية وتقزيم هامش الذاتية؟ هنا يحضر التسلح بالعدة النظرية والمنهجية والمعرفية قبل التصدي لكتابة المذكرات، بمعنى اطلاع واسع على التراكم النظري المنجز حول الذاكرة وآليات اشتغالها، وعلى ما كُتب حول المرحلة موضوع الشهادة، إما في شكل مذكرات سابقة أو دراسات، لتقديم ذاكرة تحظى بقسط وافر من الموضوعية والمصداقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى