fbpx
حوادثمقالات الرأي

نشاط: مدونة التجارة وسؤال النجاعة التشريعية

الكتاب الخامس لمدونة التجارة لا يمكن المراهنة عليه لإخراج المقاولة من الوضعية التي ستخلفها الجائحة (3/3)

بقلم: د. محمد نشاط*

كنا ننتظر تعديلات أكثر جرأة، خاصة أن القضاء التجاري راكم قواعد قضائية في غاية الأهمية استطاع من خلالها إيجاد حلول للمقاولات من خارج النص القانوني، وبالتالي كنا نأمل أن يقوم المشرع على الأقل بتبني تلك القواعد القضائية وتحويلها إلى نصوص قانونية، لضمان براءة اختراع نص قانوني مغربي أو صنع محلي، لان أغلب المقتضيات التشريعية مستوردة من الخارج “فرنسا”، أضف إلى ذلك أنه إذا كان المشرع يخلق قواعد قانونية شكلية، فإن القضاء يخلق قواعد قانونية مادية، وعليه فان من بين المقتضيات، التي كان على المشرع إدخالها في التعديل :
1 /توسيع الجهات أو الأطراف، التي لها حق تعديل مخطط الاستمرارية، حيث إن تعديل المخطط موكول فقط لرئيس المقاولة، و هو أمر غير مقبول، خاصة إذا كان رئيس المقاولة سيء النية ويهدف إلى تصفية المقاولة.

والقضاء التجاري بمناسبة تنزيل مقتضيات الكتاب الخامس قبل تعديله، تجاوز النص وقبل طلب الدائن والقاضي المنتدب الرامي إلى تعديل مخطط الاستمرارية، بعلة أنهم أصحاب حقوق، ومن ثمة وجب قبول طلباتهم لتجاوز فسخ مخطط الاستمرارية والحكم بتصفية المقاولة، وبالتالي كنا نأمل من مشرع قانون 73/17 ألا يأتي بالمادة 629 على هذه الصيغة، التي أتى بها، وإنما أن يسمح من خلالها للدائن والقاضي المنتدب في طلب تعديل مخطط الاستمرارية إلى جانب رئيس المقاولة.
2/ قبول عروض التفويت، التي تأتي خارج الأجل إذا كانت فيها مصلحة للمقاولة، عكس النص الذي لا يقبل بها، مما يضيع على المقاولة فرصة الإنقاذ من خطر التصفية.
وقد تجاوز القضاء التجاري بمناسبة تطبيق الكتاب الخامس قبل تعديله الذي لا يقبل بعروض التفويت التي تأتي خارج الأجل وقبل عروض التفويت التي وردت خارج الأجل من أجل إنقاذ المقاولة، وكنا أيضا نأمل أن يترجم المشرع هذه القاعدة القضائية إلى نص تشريعي طالما أنه يخدم مصلحة المقاولة.
3/ على مستوى العقود الجارية، جعل هذا القانون الحق بيد السنديك في التقرير في مصير العقود الجارية بدون استثناء، وكنا ننتظر من التعديل إخراج بعض العقود الجارية على غرار القانون الفرنسي، الذي أخرج عقد النشر والتأمين وعقود الإنتاج السمعي البصري وعقد كراء العقارات المعدة لاستغلال تجاري، خاصة أن القضاء التجاري تجاوز حرفية النص وأخرج عقد الكراء التجاري من العقود الجارية، التي يقرر فيها السنديك، بالنظر إلى أهمية هذا العقد لحياة المقاولة.

4/ كنا نأمل أيضا من المشرع أن يأتي بمقتضى قانوني يحدد من خلاله المقصود بالمبرر الموضوعي في دعوى رفع السقوط، وألا يبقى هذا المبرر غامضا وخاضعا للسلطة التقديرية للمحكمة.
5/ كنا أيضا نأمل من مشرع قانون 73.17 أن يتجاوز التعارض الحاصل بين مقتضيات الكتاب الخامس والمادة 503 من مدونة التجارة، التي تنص على قفل الحساب بالتسوية أو التصفية القضائية للمقاولة، خاصة أن المقاولة تكون في حاجة إلى حساباتها البنكية، من أجل تجاوز وضعيتها الصعبة.
هذه بعض النقط التي كنا ننتظر من المشرع بمناسبة وضعه لقانون 73/17 المتعلق بمساطر صعوبات المقاولة، أن يعمل على أخذها بعين الاعتبار، وأن يعيد النظر فيها لجعل الكتاب الخامس من مدونة التجارة كتابا يؤدي الغاية المنشودة منه، وهي انقاذ المقاولة، وعليه، ومن خلال ما سبق ذكره، فإن الإجابة عن السؤال الثاني أضحت واضحة، وبالتالي يمكن القول إن الكتاب الخامس بوضعه الحالي لا يمكن المراهنة عليه بشكل كبير لإخراج المقاولة من الوضعية، التي ستخلفها جائحة فيروس كورونا بسبب عيوبه، وأيضا بسبب الهشاشة في واقع المقاولة المغربية، إذ أن النسيج الاقتصادي المغربي، 96 في المائة من مقاولاته، هي مقاولات متوسطة أو صغرى، وهي تابعة اقتصاديا لشركات كبرى، وهي مقاولات ذات طابع عائلي، في حين أن الكتاب الخامس موجه للمقاولات الكبرى .
غير أن دورنا كباحثين في المجال القانوني لا يقتصر فقط على النقد، وإنما على إعطاء تصورات وحلول، وهكذا ومن أجل مساعدة المقاولات على الخروج من الوضعية الصعبة التي تعترضها، يتعين تدعيم الكتاب الخامس من مدونة التجارة بوسائل وآليات التمويل، وفي هذا الإطار نقترح تدعيم دور القاضي التجاري بآليات لتمويل المقاولات، من خلال إحداث صناديق خاصة، يمكن للقاضي اللجوء إليها، بدلا من اللجوء إلى الدائنين الرئيسين للمقاولات.

ومن مصادر التمويل التي نقترحها:

ـ صناديق الجماعات المحلية، حيث إن هذه الصناديق يمكن الاعتماد عليها كآليات للتمويل، خاصة أن المقاولات تساهم في مداخيله من خلال الضرائب، التي تؤديها للجماعة، التي تكون المقاولة فوق ترابها، وبالتالي فإن دعم صندوق الجماعة التي يوجد فوق دائرتها المقاولة المتضررة، يدخل ضمن أهداف التنمية المحلية المسندة للجماعة المحلية، خاصة أن هذه الصناديق تحقق دائما فائضا .
ـ إنشاء مؤسسات اقتصادية في مختلف مناطق المغرب عن طريق الاكتتاب ترصد أموالها لمساعدة المقاولة، التي تعاني صعوبات قبل أن تفتح في حقها المسطرة أو خلال خضوعها لأحد مساطر الكتاب الخامس، في إطار ما يسمى اليوم الأسواق المالية المعاصرة.
ـ إحداث خريطة لمؤسسات التمويل عمومية أو خصوصية بكل جهة أو إقليم، من أجل الاستفادة من أموالها، من قبل المقاولة الموجودة فوق ترابها، في إطار تنزيل برنامج اللامركزية في الاستثمار.
في الختام، فإنه لا بد من توفر ثلاثة شروط أساسية لتحقيق كل هذه الاقتراحات، وهي: الإرادة السياسية الحقيقية، وقوة التنفيذ، والتخطيط المستقبلي والشمولي.

* محام بهيأة سطات

أستاذ زائر بكلية الحقوق سطات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق