وزراء حولوا لجان وضع الشروط إلى ورشات للتفصيل والخياطة لتثبيت رجالهم أكبر كذبة يرويها عبد الإله بنكيران، هذه الأيام، ويصدقها من فرط تكرارها، هي التعيينات في المناصب العليا المنصوص عليها في الفصل 92 من الدستور، وهي قصة مغربية «خالصة» نتداول فيها، بين الحين والآخر، بغصة كبيرة في القلب.الحكاية بدأت، أول الأمر، مثل خرافة من أساطير الأولين، حين سمع المغاربة أن فصلا في الدستور الجديد يعطي لرئيس حكومة منتخب من طرف الشعب، لأول مرة، سلطة اختيار وتعيين عدد من الموظفين السامين في مناصب عليا ، في إطار ما أطلقت عليه الصحافة، في بدايات تنزيل الوثيقة الدستورية، «ما لبنكيران»، في مقابل «ما للملك» المنظم بمقتضى الفصل 49.وكي نصدق أكثر، سارع الفريق الحكومي إلى طلب إصدار ظهير وظيفته تنفيذ القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا والمرسوم المتعلق بمسطرة التعيين. واعتبر هذا الظهير بمثابة الضوء الأخضر لعدد من الوزراء الذين سارعوا إلى إغراق الموقع الرسمي لرئيس الحكومة بطلبات عروض الترشيح وفق دفاتر تحملات وشروط كانت لهم اليد الطولى في وضعها.الموضوع «جديد» على المغاربة، وكان طبيعيا أن يسيل نقاشا دستوريا وقانونيا وسياسيا غزيرا، لأنه للمرة الأولى التي يمنح فيها حق التعيين في مناصب المديرين العامين والكتاب العامين والمفتشين العامين إلى الجهاز الحكومي، لكن قليلا من انتبهوا أن «القالب» الكبير الذي تسلمه المغاربة هدية، في الشهرين الأولين من عمر الحكومة، كان مخبأ في تفاصيل القانون التنظيمي نفسه الذي سبق، من حيث الزمن، المخطط التشريعي للحكومة الذي يحدد رؤيتها إلى التفعيل الأمثل للوثيقة الدستورية، كما «دُس»، بطريقة تنطوي على كثير من الشبهات، بين ثنايا جلسة استثنائية لمناقشة القانون المالي، دون نقاش حقيقي يلامس المقاصد السياسية والقانونية والدستورية للفصلين 49 و92.بالموازاة، وجدت حكومة بنكيران، وفق هذا المعطى الجديد، أمام أول امتحان فعلي لاختبار التزاماتها في تكريس الحكامة في تدبير المؤسسات والإدارات، خصوصا بعد الجدل الذي أثارته طريقة صياغة مذكرات طلبات العروض ومسطرة الإعلان عن الترشيح وتشكيل لجنة الانتقاء والإعلان عن النتيجة ولائحة الشروط التي ينبغي توفرها في الوافدين الجدد على المناصب العليا والسامية، وهل يتعلق الأمر فعلا بشروط موضوعية، أو محاولات لتصفية الحسابات وإبعاد المناوئين والمشاغبين وتقريب الأوفياء وذوي الثقة، بدل الكفاءة.لكن، بدا أن الحكومة تعاملت مع ملاحظات المتتبعين وانتقادات المرشحين المحتملين والفرق البرلمانية في المعارضة بحكمة «كم حاجة قضيناها بنفيها»، أو التضليل عليها على الأقل حتى تمر العاصفة. وهكذا، توالى الإعلان عن الأسماء الجديدة، أو القديمة، في المناصب العليا المعلن عنها من طرف القطاعات الوزارية، وهي للصدفة الأسماء نفسها التي تتداولها الصحافة والمواقع الإلكترونية أياما بعد انعقاد المجلس الحكومي.أكثر من ذلك، أن بعض الوزراء حولوا اللجان المكلفة بوضع دفاتر الشروط إلى أوراش لـ«الخياطة» لا يكتفون، فقط، بالتنصيص على بروفايلات دقيقة جدا، بل قد يبالغون في طلب مواصفات أخرى من طول القامة والعرض ورقم الحذاء ولون العينين والشعر. وما حدث في عدد من الوزارات مثل الصحة والنقل والوزارة المكلفة بالبرلمان ليس معزولا عن حالات وزراء آخرين اختبؤوا وراء شروط ومباريات ولجان شكلية لوضع رجالهم المناسبين في الأماكن المناسبة.وربما بهذه الطريقة في تنزيل الفصل 92، تريد الحكومة أن تقنعنا أن انزلاقات التعيينات، أمر عاد، ما دامت الغاية الأمثل، في نظرها، من قانون «ما للملك وما لبنكيران» هو تحويل جزء من الصلاحيات الحصرية للملك، إلى المجال المشترك بين المؤسسة الملكية والحكومة، أما الباقي، فمجرد تفاصيل وجزئيات عادية، يمكن مناقشتها في ما تبقى من عمر.يوسف الساكت