fbpx
حوادثمقالات الرأي

الطاهر: المحامون و”القرصنة المهنية”

الانفتاح على التجارب الأجنبية لا يجب أن يتم بعقلية التفوق والعنجهية الاستعمارية

بقلم: ذ. جلال الطاهر*

تثار هذه الأيام زوبعة حول ما يدعى “المكاتب الأجنبية” بالمغرب، لمناسبة قيام مجلس هيأة المحامين بالبيضاء بإعداد ورقة حول ممارسة مهنة المحاماة في دائرة اختصاص هذه الهيأة. وقد صدرت عدة ردود أفعال، حول قيام نقيب ومجلس الهيأة المذكورة، بعملية رصد لواقع الممارسة المهنية، بغاية وضع اليد على جوانب الخلل بتصحيحها، وإرجاع الأمور إلى نصابها، واتخاذ القرارات الضرورية، بل والواجبة، التي يضعها القانون على مسؤولية النقيب والمجلس، باعتبارهما الجهة المسؤولة قانوناً ومهنياً، بالتصدي لكل خرق، أو خلل، أو تجاوز يطبع الممارسة المهنية.

قد ثبت من خلال الورقة التي أعدتها اللجنة، برئاسة أحد أعضاء المجلس، أن هناك عدة تجاوزات وخروقاً لقانون مهنة المحاماة (28.08)، الذي ينظم، بشكل دقيق، طريقة ممارسة المهنة وشروط وحقوق وواجبات المحامين المسجلين بجدول الهيأة، الأمر الذي أثار تذمرا لدى الجمعية العمومية للمحامين، وبدأت تطرح، بشكل ضمني، أو صريح، عدة تساؤلات: هل هذه التجاوزات والخروق القانونية من قبل ما يطلق عليه “المكاتب الأجنبية”، هو قدر وقوة قاهرة، لا يمكن صدها، من قبل مجلس الهيأة، بقيادة النقيب، ومساندة الجمعية العمومية للمحامين؟، أم أن الأمر يتطلب فقط الجرأة في مواجهة التجاوزات المذكورة.
وما يؤيد هذا الاعتقاد، هو أن هناك محاولات سابقة، منذ سنوات، كانت الغاية منها معالجة “الظاهرة”، التي أطلق عليها مصطلح “المكاتب الأجنبية” في البداية، وكان عددها محصوراً في أدنى الحدود، إلا أن أصحاب “الظاهرة” استطابوا الوضعية، واعتبروا أن عدم اتخاذ الإجراءات القانونية ضدها، هو قبول ضمني لها، والذي يعتبر في الوقت نفسه تعطيلا لمواد القانون (28.08)، التي تمنع بعض الممارسات التي تطبع عمل المكاتب، التي تسمى تجاوزا أجنبية، مع أن القانون يحدد بوضوح وجلاء شروط الممارسة المهنية من أجنبي، ذاتي أو معنوي.
هذا الواقع المختل في الممارسة المهنية، هو الذي فرض على النقيب والمجلس، تطبيقاً للقانون، وتحملاً للمسؤولية، التي حملها محامو هذه الهيأة للنقيب والمجلس، بمقتضاها، تجرى حماية حقوق ومصالح المحامين ضد أي خروق كيف ما كانت طبيعتها أو مصدرها، إذ “لا تجوز ممارسة مهنة المحاماة، إلا لمحام مسجل بجدول إحدى هيآت المحامين بالمغرب…” (المادة 2 من القانون (28.08) المنظم لمهنة المحاماة).
ذلك أن ما يتوفر من معطيات، يؤكد أن المكاتب التي سميت أجنبية، يمارس داخلها بعض المحامين المغاربة، (في شروط أقل ما يقال عنها إنها مخالفة للقانون) مع أجانب، بعضهم لم يستوف شروط الممارسة داخل المغرب، والبعض الآخر ليست له حتى صفة المحامي أصلا، وهذه هي الطامة الكبرى، فهل يمكن – والحالة هذه – السكوت عن مثل هذا الاستهتار بالمسؤولية من قبل هؤلاء، بل واحتقار المحامي المغربي، عامة ومؤسساته المهنية بصفة خاصة؟!.
هذا، مع التأكيد أن الانفتاح على التجارب الأجنبية، والتعاون في مجال الممارسة المهنية، واكتساب الخبرة، أمر مطلوب، لكن ذلك، يجب أن يتم، في إطار القانون والمعاملة بالمثل، والاحترام المتبادل، أما أن يجري ذلك بعقلية التفوق والعنجهية الاستعمارية، وفرض الأمر الواقع، فهذا “منكر” مهني يجب تغييره.
ولعل هذه الروح موجودة لدى بعض هذه المكاتب، التي قامت بالتعليق على فتح هذا الملف، من قبل النقيب، بطريقة متشنجة، وبأسلوب غير لائق، يسيئ لأصحابه أكثر من غيرهم، هم الذين يدعون “التحضر والأستاذية”، في الوقت الذي كان عليهم أن يتوقفوا عن ممارسة “القرصنة” المهنية، على الأقل، وفتح حوار مسؤول مع المؤسسة المهنية – على الأقل – بغاية دراسة الوضعية، وفق ضوابط حقوقية، وقانونية، ومؤسسية، سعياً لإيجاد صيغ ممكنة للعمل بروح مهنة المحاماة وقيمها الكونية، إيماناً بقوة القانون، بدل “قانون القوة”، الذي طبع تاريخ النازية والفاشية…
لا يجب الخلط بين ما قد يكون لهذه المكاتب من خبرة، يستفيد منها المحامون المغاربة، – وهذا موضوع لا خلاف حوله – وبين أن تكون وضعية بعض هذه “المكاتب” مخالفة للقانون المنظم للممارسة المهنية بالمغرب، وهي وضعية شاذة، وتفتقد إلى الشرعية الحقوقية والقانونية والأخلاقية، الناجمة، إما عن جهل، أو تجاهل، أو احتقار، وكلها لا تشكل مبررات، أو أعذارا، لاستمرار هذا الوضع، ولا تعفي النقيب ومجلس الهيأة من تحمل المسؤولية، لأنه لا يعقل أن يعاقب المحامي المغربي، عن مجرد اللباس غير اللائق، ويتغاضى عن الممارسة الأجنبية، التي قد تصل إلى ارتكاب كبائر في حق المهنة.
* عضو مجلس هيأة المحامين بالبيضاء

تعليق واحد

  1. حبذا لو تكلمت الاستلذ المحترم عن مال ملفات شكايات مواطنين عزل ضد محامين اكلوا ارزاقهم او لم يقونوا بمهامهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق