حوادثمقالات الرأي

هـلال: المحاكمة الزجرية عن بعد ومبدأ الشرعية الإجرائية (3/2)

لا تتعارض مع قانون المسطرة الجنائية ومبادئ المحاكمة العادلة

تعتبر المحاكمة العادلة حقا من حقوق الإنسان الأساسية التي تهدف إلى حماية الأفراد من المساس بحقوقهم أو الانتقاص أو الحرمان منها، ولأهميتها نصت عليها الاتفاقيات الدولية وكرستها الدساتير الوطنية، وعملت التشريعات الداخلية الإجرائية على تنظيمها، كما أنها مؤشر على مدى احترام الدولة لكرامة المواطن وفق ما هو متعارف عليه دوليا، ومقياس أصيل في بناء دولة الحق والقانون ودليل على صحة وسلامة النظام القضائي والجنائي. وإذا أقر المشرع الجنائي صراحة بمبدأ قرينة البراءة في مادته الأولى، ونص في ختامه على أن الإجراءات القانونية المتخذة من قبل الأجهزة المتدخلة في سير المسطرة الجنائية، يجب أن تتم وفق ما حدده المشرع من قواعد تحت طائلة اعتبارها كأنها لم تنجز.

بقلم: ذ. خـالد هـلال *

وفي ظل غياب أي نص تشريعي أو سند قانوني يمكن الاستناد إليه لتبرير اللجوء إلى هذه التجربة، أتاح مشروع (ق.م.ج) في بعض نصوصه، استثناءات في بعض مقتضياته إمكانية اللجوء إلى تقنية (video conférence) عنونها باستعمال وسائل الاتصال عن بعد، وفق ما نصت عليه المادة 1-193 في الباب العاشر مكرر بعنوان (استعمال تقنيات الاتصال عن بعد)، والتي خولت لقاضي التحقيق تلقائيا، عندما تحول أسباب جدية دون حضور الضحية أو المتهم أو الشاهد أو الخبير أو المطالب بالحق المدني أو لسبب البعد عن المكان، الذي يجري فيه التحقيق، إمكانية تلقي التصريحات أو الاستماع إليهم عبر تقنية الاتصال عن بعد تضمن سرية البت.
كذلك المادة 2 -193 من المشروع منحت لقاضي التحقيق إمكانية الاستماع إلى الشهود عن طريق وسائل الاتصال عن بعد، في إطار إنابة قضائية يوجهها إلى قاضي التحقيق بالمحكمة، التي يوجد بدائرتها الشخص المراد الاستماع إليه عن بعد.
وكذلك ما تم النص عليه في المادة 4-347، التي منحت للمحكمة إمكانية تلقائية أو بناء على ملتمس النيابة العامة أو أحد الأطراف أو من ينوب عنهم، تطبيق مقتضيات المادة 1-193 من هذا المشروع، بسبب البعد الجغرافي عن مكان المحاكمة.
كما أن المشروع في مادته 5 – 347 قيد سلطة هيأة المحكمة، وألزمها بتعليل وتبيان أسباب اللجوء لتقنية الاتصال عن بعد للاستماع إلى الأشخاص موضوع الإجراء القانوني، وخولت لهيأة المحكمة توجيه إنابة قضائية إلى المحكمة التي يوجد بدائرتها الشخص أو الأشخاص المعنيون بالأمر، للسهر على عملية الاستماع إليهم عن بعد، يتولاها رئيس المحكمة الموجهة إليها الإنابة القضائية في الإشراف على هذا الإجراء، بتعيينه لقاض تكون مهمته تنفيذ الإنابة القضائية باستدعاء الشخص أو الأشخاص والاستماع إليه أو استنطاقه أو المواجهة أو تلقي تصريحات مباشرة من قبل الهيأة القضائية التي أصدرت الإنابة.
وحيث نسجل أنه في ظل هذا المشروع، الذي نعتبره من حيث المبدأ نقلة تشريعية مهمة في مواكبة التطور التكنولوجي الدولي، وضرورة ملحة في استحداث قواعد ووسائل اتصال جديدة، لخدمة وتطوير العدالة الجنائية.
لكن نسجل أنه مشروع غير متكامل من حيث البنية التحتية اللوجستيكية، وغير منسجم من حيث نصوصه مع مستجدات الظروف العملية والتطبيقية له مستقبلا، ومن ذلك فاللجوء إلى تقنية المحاكمة الزجرية عن بعد من خلال المشروع لم توضح أطراف الخصومة، وباقي الأشخاص المتدخلين فيها بحيث جاءت شاملة بجميع الأطراف دون تحديد دور كل واحد عكس إجراءات التحقيق التي استثنت المتهم من هذه التقنية وخاصة المادة 1-193.
كما أن المشروع حصر الأسباب المبررة للجوء إلى هذه التقنية، وربطها بتعذر حضور المتهم وباقي الأطراف والمتدخلين في الخصومة أو لبعد أحدهم عن مكان المحاكمة أو التحقيق، والتي يتعين معه التريث وإعادة الصياغة التشريعية وفق مقومات مبادئ حقوق الإنسان، ومبادئ المحاكمة العادلة، مع إشراك هيآت المحامين بالمغرب وهي المعنية بالممارسة المهنية اليومية والمسؤولة عن حماية حقوق الدفاع ومنظومة حقوق الإنسان.
ثانيا : التأطير الحقوقي لتقنية المحاكمة الزجرية عن بعد
إن الشرعية الإجرائية، هي القاعدة الثانية من قواعد الشرعية الجنائية، وهي تشترك مع باقي حلقاتها في اشتراط أن يكون القانون هو المصدر لكل إجراء يسمح بالمساس بالحرية، أو انتهاك الحقوق، فلا يجوز القيام بأي إجراء ضد المتهم أو إخضاعه لأي إجراء من إجراءات المحاكمة، لم يكن منصوصا عليه في قانون المسطرة الجنائية.
ويترتب عن مبدأ قانونية الإجراءات الجنائية، أن المشرع هو المختص وحده بتحديد قواعد المسطرة الجنائية، وعليه يمنع على باقي السلط أن تشاركه في ذلك، سواء كانت تابعة للجهاز التنفيذي أو للجهاز القضائي، وتبعا لما ذكر فإنه يمنع على الحكومة إصدار دوريات أو مناشير تتضمن إجراء أو تعديلا لقواعد المسطرة الجنائية، وكل ما تملكه هو إصدار المراسيم المتعلقة بتنفيذ هذه القوانين، ذلك أن أي قرار إداري يتولى معالجة أمر يتعلق بالخصومة الجنائية يكون مشوبا بعدم الدستورية، الشيء نفسه يقال بالنسبة إلى السلطة القضائية التي عليها الامتناع عن تطبيق إجراءات تمس سريان الدعوى العمومية، دون أن يكون منصوصا عليها في قانون المسطرة الجنائية، ولو كان ذلك بتفويض من المشرع.
وإذا كان المبدأ الحقوقي شموليا في تكريس مبادئ حقوق الإنسان، ومنها الحق في الحياة، كأول الحقوق وحق الفرد في السلامة الصحية وصحة أسرته، حسب الفصلين 20 و21 من دستور 2011.
وإذا كانت المقاربة الصحية في ظل الوضع الوبائي الذي تعيشه جل دول العالم، ومنها بلادنا تعرف تفشي جائحة خطيرة من فيروس مستجد (كوفيد19)، تدعو إلى اتخاذ إجراءات احترازية، فإن اللجوء في اعتقادنا المتواضع إلى تقنية المحاكمة الزجرية عن بعد، هو إن كان موضوعيا يهدف إلى حماية سلامة وصحة الأفراد من خطر جائحة فيروس “كورونا” الذي يعد من الأخطار التي قد تذهب بحياة الأفراد وأسرهم، فإن المقاربة الحقوقية تقتضي احترام ما هو قانوني من حقوق المتقاضين وقواعد تسيير العدالة كما نص على ذلك الفصل 117 وما يليه من دستور 2011 ، وأن الفصل 120 منه أسس لشروط المحاكمة العادلة بأن تكون المحاكمة داخل أجل معقول، لأن تأجيل محاكمة أشخاص يوجدون رهن الاعتقال، يتعارض مع مبدأ قرينة البراءة التي هي حق من حقوق المتهم، والتي تلازمه منذ ولادته وطيلة حياته، وقاعدة الشك يفسر لصالح المتهم، فاحترام هذه الضمانات الإجرائية، رهين بسلامة نظام قضائي جنائي.
وإذا كان مبدأ الملاءمة يقضي أن يكون أي تشريع وطني ملائم للاتفاقيات الدولة، وأنه في ظل غياب تشريع إجرائي يبيح المحاكمة الزجرية عن بعد، وإعمالا للقاعدة الفقهية “الضرورات تبيح المحظورات”، فإنه في نظرنا المتواضع، تبقى تقنية إجراء المحاكمة الزجرية عن بعد في ظل غياب السند القانوني، وفي ظل مقاربة صحية تتطلب من القاضي الاجتهاد في تدبير المرحلة من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات، لا تتعارض مع قانون المسطرة الجنائية من جهة، ومبادئ المحاكمة العادلة من جهة أولى، من خلال استحضار البعد الإنساني و الحقوقي لهذه المحاكمة.
* محام بهيأة البيضاء
عضو المكتب التنفيذي للجمعية الدولية
للدفاع عن حقوق الإنسان والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق