fbpx
حوادثمقالات الرأي

الشمسي: مسؤولية الدولة عند إصابة السجناء بكوفيد 19

المسؤولية ثابتة ولا مجال للتحجج بالقوة القاهرة وبخطأ الغير وبخطأ المتضرر (2/2)

استغرقت محاكمة زيد الذي خرق حالة الطوارئ الصحية والحجر الصحي، خمسة عشر يوما وهو ينتقل ما بين مقر المحكمة ومقر المؤسسة السجنية، (انعقدت له ثلاث جلسات)، وأخيرا أدانته المحكمة بعقوبة سالبة للحرية نافذة مع غرامة. في المؤسسة السجنية، ظهرت حالة مرضية على نزيل، تم نقله إلى المستشفى فثبتت إصابته بداء كورونا، ما جعل إدارة المؤسسة السجنية تخضع كل النزلاء بمن فيهم زيد للتحاليل المخبرية، فأظهرت النتائج إصابة 60 سجينا بفيروس كورونا ومنهم زيد، وقع نقل النزلاء المرضى إلى المستشفى الجامعي بالمدينة. علم أهالي السجناء بإصابة ذويهم بالفيروس وهم داخل السجن، وتبين لبعضهم قيام مسؤولية الدولة الممثلة بواسطة المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وتقصيرها في توفير الحماية والوقاية للنزلاء، لأنهم كانوا تحت مسؤوليتها وعهدتها ورقابتها وإشرافها ويمتثلون للأحكام القضائية الصادرة في حقهم.

بقلم: محمد الشمسي *

وتنص المادة 136 على “يجب أن يودع المعتقلون بأقرب مستشفى كلما ارتأى طبيب المؤسسة أن العلاجات الضرورية لا يمكن إعطاؤها بالمكان، أو في حالة إصابتهم بأمراض وبائية”.
ثانيا :أركان قيام مسؤولية الدولة
بعد إبراز تعهدات ومسؤولية الدولة في حماية الحق في الحياة للمواطنين عامة، وكذا التزاماتها التي يفرضها عليها القانون تجاه السجناء، فإنه لكي تقوم مسؤولية الدولة يجب توفر ثلاثة أركان أساسية تتمثل في وجود إخلال صادر عن الدولة (ركن الخطأ)، و حصول نتيجة سلبية للمتضرر جراء ذلك الخطأ وهو (ركن الضرر )، ثم قيام سبب مباشر بين عنصري الإخلال بالمسؤولية وتحقق الضرر وهو (ركن العلاقة السببية)، وسنفصل في كل ركن .
 1 : شرط وجود الخطأ وأنواعه
وجبت الإشارة إلى أن الإدارة ( الدولة) تخطئ بواسطة العاملين بها والذي قد يكون إما خطأ شخصيا يسأل عنه مرتكبه، أو خطأ مرفقيا تسأل عنه الإدارة (الدولة)، وسنبين كلا الخطأين الشخصي والمرفقي، مع التفصيل أكثر في الخطأ الذي يعنينا هنا وهو الخطأ المرفقي.
أ- الخطأ الشخصي
الخطأ الشخصي هو الذي يقوم به موظف عمومي فيحدث به ضررا مما يلقي على عاتقه المسؤولية الموجبة للتعويض من ماله الخاص ما لم يكن معسرا فتحل الدولة محله في الأداء، وقد أورد المشرع المغربي الخطأ الشخصي في الفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود حيث أكد “مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم، ولا تجوز مطالبة الدولة والبلديات بسبب هذه الأضرار إلا عند إعسار الموظفين المسؤولين عنها”.
ب : الخطأ المرفقي
الخطأ المرفقي هو خرق الإدارة ( الدولة) لمجموعة من الالتزامات الملقاة على عاتقها سواء بواسطة أحد العاملين التابعين لها أو نتيجة تنظيم المرفق نفسه.
وحدد الفقهاء صور الخطأ المرفقي في ثلاث حالات نستعرضها إليها كالتالي:
ــ انتفاء أداء المرفق لعمله :مثل امتناع الإدارة ( الدولة) عن أداء بعض الأعمال والواجبات التي هي من صميم واجبها قانونا، بما أحدث ضررا بالجهة المتضررة.
ــ  أداء المرفق لعمله على وجه سيء : وهذا لزم الإدارة (الدولة) بتعويض الضرر الناتج عن خطئهابهذه الصورة إذا ألحق ضررا بأحد.
ــ  أداء المرفق لعمله بصورة بطيئة: مثل قيام الإدارة(الدولة) بواجبها لكن داخل أجل غير معقول وبمبرر غير مقبول، أو بعد فوات الأوان.
2 :  شرط قيام الضرر وشروطه
لا بد أن يؤدي الخطأ إلى قيام ضرر، قد يكون ماديا أو معنويا ويشترط في شرط الضرر شروط منها:
أ- شروط الضرر
– أن يكون الضرر محققا : فلا مجال للضرر الافتراضي أو المحتمل.
ب-  أن يكون مباشرا وخاصا: وهو إلحاق الضرر بفرد معين أو أفراد على وجه الخصوص.
ج- أن يلحق الضرر بمركز يحميه القانون: أن يمس حقا مشروعا يحميه القانون.
د- أن يكون قابلا للتقويم: بحيث يكون بمقدور المحكمة تحديده وقد يلجأ القضاء لخبير في ذلك.
– أنواع الضرر
الضرر نوعان: ضرر مادي وضرر معنوي
أ)- الضرر المادي هو الذي يصيب الشخص في ماله .
ب)- الضرر المعنوي فهو الذي يصيب الشخص في ذاته، سواء كانت الإصابة مادية كجروح  في جسمه أو كانت معنوية تصيب كرامته وإحساسه وكثيرا ما يقترن الضرر المعنوي بالضرر المادي.
ثالثا :  شرط العلاقة السببية
لابد من وجود علاقة سببية بين خطأ الإدارة (الدولة) والضرر الذي لحق بالجهة المتضررة، بمعنى أنه يجب أن يكون الضرر قد ترتب مباشرة عن خطأ الإدارة وتنتفي الرابطة السببية بين خطأ الإدارة والضرر.
وفي الختام، وبعد التوضيح أعلاه، يتضح أن السجناء الحاملين لفيروس كورونا كانوا تحت إمرة الدولة الممثلة بواسطة المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإجماع، وكان عليهم الامتثال لتنفيذ الأحكام السالبة لحرياتهم الصادرة في حقهم من جهة والامتثال للقانون رقم 23.98 المتعلق بتنظيم  وتسيير المؤسسات السجنية من جهة ثانية، وكان على الدولة أن تفي بتعهداتها والتزاماتها تجاه السجناء، سواء تلك التي حددها الدستور باعتبار السجناء يدخلون في خانة وزمرة المواطنين المكفولين بحقهم على الدولة في حماية سلامتهم وأمنهم وحياتهم، أو تلك التي حددها الظهير المتعلق بتنظيم  وتسيير المؤسسات السجنية، أو تلك التي حددتها بعض الفصول الواردة في قانون الالتزامات والعقود، وحيث إنه لا مجال للتحجج لا بالقوة القاهرة ولا بخطأ الغير ولا حتى بخطأ المتضرر في إحداث الضرر اللاحق بالسجناء، الذي هو إصابتهم بعدوى مرض كوفيد 19 وهم تحت مسؤولية ورقابة الدولة في شخص المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإجماع، لذلك فمسؤولية الدولة هنا ثابتة وقائمة، والخطأ هنا مرفقي يتأرجح بين قيام المرفق العمومي والذي هو المؤسسة السجنية بأداء تعهده تجاه السجناء بصورة سيئة تقوم على عدم مراعاة الاحتياطات الواجبة وعدم اتخاذ سبل الوقاية ، أو عدم قيامه أصلا بأي إجراء وقائي، وقد ألحق خطأ الدولة بسوء الاحتياط أو انعدامه ضررا ماديا بالسجناء وهو ضرر محقق وشخص ومباشر ومس سلامتهم و صحتهم التي يحميها القانون، تسبب لهم في إصابتهم بعدوى مرض كوفيد 19، فيصبح الضرر ثابتا من خلال الملفات الطبية للسجناء المصابين، وتنهض العلاقة السببية قوية ومتينة تربط ما بين الخطأ والضرر، توجب التعويض الذي يبقى أمر تحديده موكولا للقضاء الإداري الذي يستعين بأهل الاختصاص لتقويم حجم الضرر، ما لم يتسبب المرض المذكور في وفاة السجين فيحل ورثته محله في رفع دعوى التعويض ضد الدولة.
* محام بهيأة المحامين بالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق