fbpx
افتتاحية

برميل بارود

سنحتاج إلى كثير من الوقت والجهد والإمكانيات لترميم الشروخ العميقة، التي ستخلفها تداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد على فئات عريضة من المواطنين، فُرض عليهم، على حين غرة، تغيير جذري في نمط حياتهم.
فرغم العدد الكبير من الدراسات والتقارير، التي صدرت في الآونة الأخيرة حول تأثيرات تقييد السكان في منازلهم لأزيد من 60 يوما دون انقطاع، فإنها تظل عاجزة عن رصد خارطة التعقيدات النفسية والاجتماعية، وحجم الفوضى التي أحدثتها الأزمة في حياة ملايين النساء والرجال والأطفال والمرضى المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة ومختلف الفئات الاجتماعية الأخرى.
فليس هناك أصعب من أن تضع أعدادا كبيرة من المواطنين في قاعات، وتغلق عليهم وتطلب منهم الانتظار حتى إشعار آخر، أو تفرض عليهم البقاء قرب برميل بارود، قد ينفجر بأدنى احتكاك، أو شرارة، يسببها الضغط والقلق وضبابية الأفق، وتوالي أخبار الموت والإصابات والمآسي، التي تنقلها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على مدار الساعة.
ويشكل ارتفاع حالات العنف المتبادل بين الأزواج، وتعريض الأطفال إلى الضرب والعقاب لأتفه الأسباب، والمشاجرات المنزلية اليومية، التي تصل أصداؤها إلى أقسام الشرطة والمحاكم، أحد أوجه الضغط النفسي التي تتعرض له الأسر، كما تشكل حالات العنف في الشارع، واستعداد المواطنين إلى “الاشتباك” الجسدي لأتفه الأسباب، الوجه الثاني لمعضلة اجتماعية، ستكون تداعياتها، مستقبلا، أكبر من الجائحة نفسها.
وقد انتبهت منظمة الصحة العالمية إلى حجم الضرر، الذي أحدثته آلية الحجر الصحي وحالات الإغلاق الكلي، على الصحة النفسية والعقلية للمواطنين، مؤكدة في أحدث تقرير لها، صدر نهاية الأسبوع الماضي، أن أثر الوباء على الصحة النفسية للناس يثير القلق بالفعل، من قبيل العزلة الاجتماعية والخوف من العدوى وفقدان أفراد الأسرة، بسبب الفيروس، إضافة إلى الرعب الناجم عن فقدان الدخل والعمل في كثير من الأحيان.
وقالت المنظمة، في نهاية التقرير، إنه من الواضح اليوم الانكباب، بشكل جدي، على معالجة احتياجات الصحة النفسية والعقلية، واعتبار ذلك عنصرا أساسيا في الاستجابة إلى علاج كورونا، والتعافي منه في المستقبل.
وتنطبق منطلقات التقرير الأممي وخلاصاته على الحالة المغربية، إذ سيكون مطلوبا من الحكومة، عدم اختزال مرحلة ما بعد الحجر الصحي في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية الصرفة، بل الانتباه إلى آثار الشرخ العميق، الذي أحدثته الأزمة في نفسية المواطنين، والتعقيدات الصحية والإقبال على أدوية طرد الاكتئاب والقلق بكل انعكاساتها وكلفتها على الصحة العمومية.
إن الوضع شديد الخطورة، ولا يمكن الاستهانة به، أو اعتباره مجرد حالات معزولة، بل يتعلق الأمر ببداية انهيار كلي في بنيان المجتمع وتدمير لأهم نواة فيه، هي الأسرة التي تمثل الحلقة الأضعف اليوم في ظل الجائحة، وتتعرض إلى ضغط كبير يهدد كيانها.
فقد ننجح، ذات يوم، في إعادة تنشيط الاقتصاد وإنقاذ مناصب الشغل والانتقال السلس إلى ما بعد الحجر الصحي، لكن مؤكد أننا سنترك خلفنا آلاف المعطوبين نفسيا وعقليا، لم ننتبه إليهم في الوقت المناسب.
اللهم إنا ندق ناقوس الخطر.
اللهم فاشهد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق