fbpx
خاصمقالات الرأي

بنعتيق: ديون كورونا … هل تدخل ضمن خانة الدين العمومي؟

بنعتيق يكشف النقاش العالمي حول تراكمها وسبل أدائها ويدعو الجهات المانحة إلى استحضار قيم التضامن

بقلم: عبد الكريم بنعتيق *

يطرح عبد الكريم بنعتيق، الأستاذ الباحث والقيادي الحزبي في الاتحاد الاشتراكي، سؤالا عميقا يتعلق بكيفية تسديد الديون المترتبة عن تدبير جائحة كورونا. سؤال يؤرق كل الحكومات وبدون استثناء، لم يكن أحد يتوقع هذه الكارثة الصحية، كل الخيارات الاقتصادية و المالية كانت قبل الأزمة مبنية على توازنات مدروسة و مبرمجة بآليات متحكم فيها، المفاجأة كانت صادمة لكل صناع القرارات الاقتصادية عالميا، إذ اضطروا إلى تغيير كل الاستراتيجيات المتبعة بوضع خيارات جديدة هدفها محاربة هذه الآفة الصحية، وذلك بتعبئة كل الطاقات و الموارد مع استحضار التفكير في أجوبة قادرة بعد الأزمة الصحية، على الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية عن طريق تحصينها قصد الخروج من الأزمة بأقل الأضرار.

انطلاقا من هذا التصور لا مفر إذن من طرح الإشكالية التي تعودنا سماعها في كل النقاشات الاقتصادية والمتمثلة في البحث عن حلول لمواجهة تراكم المديونية، وذلك من خلال البحث عن خيارات ممكنة، إما بالرفع من نسبة التضخم أو بنهج مقاربة الرفع من الضرائب خوفا من الإخلال بالتوازنات الكبرى.

مقاربة الاتحاد الأوربي

عندما نستقرئ النقاشات الدائرة حاليا في أوساط الاتحاد الأوربي، نجد أن جلها لازال حبيس المقاربات الممكنة، نظير فكرة إصدار سندات خاصة بجائحة كورونا، أو وضع سياسة تعتمد على القروض الطويلة المدى تنضاف إلى الميكانيزمات المخصصة و المعبأة مسبقا للحفاظ على الاستقرار المالي لدول الاتحاد الأوربي، مثل هذه الآليات أصبحت متجاوزة فالدول المتضررة في منطقة الأورو كإيطاليا كانت تعاني أصلا ضعف نسبة النمو، التي لم تكن تتعدى %0.2 و بمديونية تجاوزت% 134 من الناتج الداخلي الخام، مع أزمة كورونا قد تصل هذه النسبة إلى %150 ، من هنا تطرح فرضيات شراء القروض من قبل البنك المركزي الأوربي على المدى القريب في انتظار الحسم النهائي في التحديات المالية المفاجئة المطروحة أوربيا.
و خوفا من انهيار منطقة الأورو عمدت بروكسيل إلى الحفاظ على توفير السيولة المالية المباشرة للدول الأعضاء المتضررة من التوقف المفاجئ لعجلة الإنتاج، مع تأجيل النقاش حول كيفية التعاطي مع التعقيدات، تجنبا لأي تصدع قد ينتج عنه اختلاف في المواقف و الاقتراحات و الحلول بين أعضاء الاتحاد، مع العلم أن هذه الاختلافات ليست وليدة اليوم بل لها جذور تمتد إلى سنوات طويلة.
بالإضافة إلى أوربا هناك نقاش دائر داخل المؤسسات الدولية المعنية بتدبير العلاقات المالية الكونية، مثل البنك الدولي و صندوق النقد الدولي، يتم هذا بموازاة مع مبادرات ميدانية تقوم بها كل الدول لوقف النزيف الاقتصادي المترتب عن هذه الجائحة، مع بروز اجتهادات تسعى إلى إيجاد صيغ مخالفة للتعاطي مع إشكالية الديون الناتجة عن تكاليف مواجهة الوباء، مع العلم أن بداية 2020 عرفت ارتفاع الديون المتراكمة على كل الدول بنسبة تجاوزت %320 من الناتج الداخلي العام عالميا، أي بزيادة بلغت %50 مقارنة مع مرحلة ما بعد الأزمة المالية لسنة 2008.

تأجيل أو إلغاء استحقاقات الدول النامية

و معلوم أن مجموعة الدول 20 اتخذت قرارا في 15 أبريل الماضي، أي في عز الأزمة الصحية الحالية، أكدت فيه أن الالتزام بتسديد الديون لا يجب أن يتم على حساب الإجراءات الاستعجالية المتخذة في الدول السائرة في طريق النمو، مع تأجيل استحقاقات ديون الدول ذات المداخيل المتدنية إلى حدود نهاية 2020، هناك من ذهب بعيدا و اقترح إمكانية إلغاء ديون 40 دولة سائرة في طريق النمو قد يكون كورونا عرقلة أمام تطورها الاقتصادي.
أصحاب هذا الطرح من زعماء بعض الدول المتقدمة، يتخوفون من تنامي خطاب رافض لعولمة يعتبرها جزء من الرأي العام المتتبع للقضايا الاقتصادية مسؤولة عن هشاشة شرائح متعددة في العالم، مادام أن جل الحكومات المتعاقبة على تداول الحكم عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات شعوبها باعتبارها، في نظرهم فاقدة للقرار الاقتصادي المحتكر من قبل قطاعات استراتيجية جعلتها الخيارات النيو ليبرالية آلة متحكمة في توفير الثروة و في إعادة توزيعها .
فريق آخر من الخبراء يؤكدون عكس ذلك، مسلحين بأرقام تؤكد تراجع مستويات الفقر التي كانت تمس %95 من سكان العالم في بداية القرن التاسع عشر، في حين أنها لا تتعدى اليوم %10، حجتهم في ذلك هو أن منظمة التجارة الدولية ترى أن أي تراجع عن مكتسبات تنظيم التبادل التجاري المرتبط بعولمة الاقتصاد سيؤدي إلى انهيار هذا التبادل بنسبة %32، و أن أول ضحايا هذه المتغيرات هي الدول الفقيرة و التي ستعرف هجرة جماعية للرساميل الأجنبية من فوق ترابها، مع عودة السياسات الوطنية الحمائية.
هناك من يعارض فكرة إلغاء الديون و يأخذ كمثال القارة الإفريقية، التي قد تعاني دول عديدة من داخلها من هذه المبادرة، خوفا من فقدان مصداقيتها اتجاه المؤسسات المكلفة بالتنقيط، بالإضافة إلى أن قراءة سريعة في الوضعية الاقتصادية لدول القارة، نجد أن مجموع ديونها سواء ذات الطابع الثنائي أو المتعدد الأطراف، تصل إلى 390 مليار دولار و أن داخل 55 دولة إفريقية، أقلية هي التي تعاني مديونية غير متحكم فيها، فحاجيات إعادة تمويل الديون الإفريقية خلال 2020 تتطلب 44 مليار دولار، في حين أن طلباتها من الاقتراض الخارجي لن تتعدى هذه السنة 100 مليار دولار، إذن أزمة كورونا على العموم وجدت اقتصاديات جل الدول الإفريقية متعافية ماليا.

كلفة ما بعد رفع الحجر الصحي ستؤثر على التوازنات

يجب التأكيد أن الانعكاسات السلبية لهذه الأزمة لم تكن واردة في أذهان المتتبعين أو الممارسين للشأن الاقتصادي، فاعتماد المرجعيات التاريخية الشبيهة بهذه النازلة قصد المقارنة، تمرين غير صحيح، فالأزمة الصحية المعروفة بالحمى الإسبانية لسنة 1918، أو مخلفات ما بعد الحرب العالمية الثانية، تختلف عن السياق الحالي، ذلك أن التداعيات المالية و الاجتماعية لما بعد الحجر الصحي المتمثلة في برامج إنقاذ اقتصاديات الدول من الانهيار الكلي، ستؤثر سلبا على التوازنات المعتمدة، إذ أننا أمام أزمة صحية أدت إلى أزمة مالية و اقتصادية و بعدها أزمة طاقية، لذلك فالسؤال الجوهري الحاضر بقوة عند الجميع، هو كيفية توفير شروط انطلاقة اقتصادية جديدة حماية للمكتسبات، هناك من يرى ضرورة الرفع من ساعات العمل، لاسيما في القطاعات ذات التأثير المباشر على الأسواق مثل صناعة السيارات، ففي شركة “بوجو” الفرنسية قرر المستخدمون الاكتفاء هذه السنة بأسبوعين عطلة سنوية، في المقابل هناك قطاعات أخرى قد تعرف بطالة كبيرة كتلك التي ضربت فرنسا بعد الأزمة المالية ل 2008، حيث ارتفعت آنذاك نسبة البطالة إلى %9.5. مؤشرات هذه السنة بعد رفع الحجر الصحي، 1.4 مليون وظيفة مهددة في فرنسا بالتوقف النهائي، جلهم ينتمون لقطاع السياحة، في الولايات المتحدة الأمريكية 20 مليون طلب شغل فقط في شهر أبريل مع نسبة بطالة تعدت % 20، في حين أنها لم تكن تتجاوز % 3.5 في فبراير، كما أن المكتب الدولي للشغل بجنيف بدوره يتوقع فقدان 2.5 مليار مستخدم لوظائفهم، جلهم في الدول الفقيرة.

مطالب بعدم إدماج ديون كورونا ضمن الديون العمومية

في ظل هذه الصورة القاتمة، ارتفعت أصوات، أخيرا، تطالب بعدم إدماج قروض كورونا ضمن الديون العمومية للدول الدائنة، مادام أن كل المجهوات الاستثنائية كانت موجهة لوقف الانهيار الاقتصادي بدعم المقاولات والشرائح المتضررة.
كل الدول سلكت المنحى نفسه، الدعم ولا شئ غير الدعم، حتى القطاعات الإستراتيجية التي كانت إلى أمد قريب غير معنية بالدعم العمومي المباشر، فشركة ” بوينغ” الأمريكية مثلا، بالإضافة إلى صعوباتها المرحلية المرتبطة بتسويق طائرة بوينغ 737 ماكس، فإنها بفعل الأزمة، أوقفت اقتناء الشركة البرازيلية (أمبرايير)، كما قرر مجلس إدارتها التوقف عن توزيع الأرباح السنوية، مع التوجه إلى السوق البنكي بضمانة الحكومة الفدرالية الأمريكية، قصد الحصول على 38 مليار دولار قرضا، ولدعم قطاع النقل الجوي الحكومة الأمريكية لم تتوقف عند هذا الحد، بل ساهمت في إنقاذ الشركات الأربع الرئيسية المتخصصة في مجال النقل الجوي، بمبلغ 25 مليار دولار، بشروط عديدة أهمها عدم تسريح المستخدمين، نفس الدعم تقريبا للقطاع الفلاحي الأمريكي الذي فقد 20 مليار دولار جراء أزمة كوفيد19.

المغرب يتجاوز سقف 31 مليار درهم

بالنسبة إلى المغرب، هناك الموافقة على قانون 20.26 المصادق عليه من قبل البرلمان، أخيرا، و القاضي بتجاوز سقف 31 مليار درهم مديونية منصوصا عليها في قانون المالية الجاري به العمل إلى حدود تقديم قانون مالية تعديلي.
و اعتبر وزير المالية أنه من الصعب تحديد مبلغ المتطلبات المالية مادام أنه من السابق لأوانه معرفة أضرار الاقتصاد المغربي الناجمة عن أزمة كورونا، مع تقديم طمأنة لنواب الأمة مفادها أن المصداقية المالية للمغرب في وضعية مقبولة، مادام أن الدين الخارجي لا يتعدى %20 من ديون الخزينة العامة. إذن اللجوء إلى القروض الخارجية شيء لا مفر منه، فتراجع الطلب الموجه للمغرب أدى إلى انخفاض الصادرات ب % 80 في أبريل، كما أن السياحة والنقل الجوي في توقف تام مع انخفاض في تحويلات مغاربة العالم ب%10، و للتذكير فإن تقرير البنك الدولي الصادر في 22 أبريل الماضي، أكد أن تحويلات المهاجرين نحو بلدانهم الأصلية ستنخفض ب% 19.7 خلال 2020، لذلك و حسب وزير المالية تأجيل دفع مستحقات الديون و التفاوض عن جدولة أخرى قد يؤثران على المصداقية المالية للمغرب لدى المؤسسات المانحة، الحل إذن حسب أطروحة وزارة المالية هو الاقتراض لتسديد الالتزامات المبرمجة مع ضرورة الاحتفاظ على الاحتياطي من العملة الصعبة، نظرا لدوره السيادي على مستوى التعاطي مع الأسواق الخارجية.

المخارج الاقتصادية الممكنة لما بعد كورونا

القيام بهذه القراءة السريعة لرصد النقاشات حول المخارج الممكنة اقتصاديا بعد أزمة كورونا، تبرز مدى انشغال العالم بالتفكير في تدبير صعوبات ما بعد الوباء، فالوضع الدولي يتسم بسيطرة الغموض والشك من جهة وبالصراع الأمريكي الصيني من جهة أخرى، هذا في ظل غياب تام لمؤسسات الحكامة الكونية القادرة على إحداث جسور التفاهم عن طريق الحكمة و التبصر، لإيجاد الحلول الممكنة عوض التشنج و زرع الفتنة.
المؤسسات المانحة بدورها ستتعرض لاختبار صعب، مطالبة بتجاوز دور المواكبة المالية المحضة إلى توفير شروط لتفاعل حقيقي مع مرحلة تحتاج إلى هندسة مغايرة، تأخذ بعين الاعتبار حاجة المجتمعات إلى سياسات عمومية تحمي الإنسان وتمنحه الإمكانيات لمجابهة المخاطر، بعيدا عن عقلية البحث عن المردودية السريعة على حساب قيم التضامن. فرصة ما بعد كوفيد19 قد تكون مناسبة لهذا التحول العميق في تدبير الشأن الاقتصادي كونيا، و نقطة البداية هنا هي اعتبار ديون مخلفات الأزمة الصحية، ديونا خارج خانة الديون العمومية من قبل كل الجهات المانحة، تجنبا لإثقال الحكومات بأعباء مالية قد تؤدي إلى انعكاسات سياسية و اجتماعية وخيمة.
* باحث في القضايا الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى