fbpx
افتتاحية

“بوكمامة”

منذ اليوم، سيكون على الصحافيين تسليم أنفسهم، كل صباح، إلى أقرب عمالة لاختبار جيناتهم وحمضهم النووي، للتأكد أنهم مواطنون كاملو الأهلية، يصلحون للعمل بالليل والنهار، وفي كل الأوقات.
وانطلاقا من اليوم نفسه أيضا، سيكون عليهم أن يفردوا مكانا لـ”رجل سلطة” في اجتماعات هيآت تحريرهم، ولا يشرعون في التداول في تقدير الأخبار الجديدة ومنهجية العمل وتحديد زوايا المعالجة وتوزيع المهام، إلا بعد التأكد من حضور “الزميل الجديد”.
وفي مرحلة لاحقة، سيكون عليهم، قبل التوجه إلى المطبعة، أن يعرجوا على مكاتب الضبط لوضع نسخ منقحة ومزيدة من مطبوعاتهم وجرائدهم، دون أن ينسوا وضع الكمامات على “أفواههم”، كما نصحهم وزير يستحق، اليوم، لقب “بوكمامة” عن جدارة واستحقاق.
للأسف… فبعد كل هذه السنوات، سيدرك الصحافيون أنهم مازالوا مجرد أطفال يحتاجون إلى من يأخذ بأناملهم الصغيرة، للعبور بهم إلى الجهة الأخرى من الطريق حتى لا تصدمهم سيارة طائشة، وحين يخلدون إلى غرفهم في الليل، يحتاجون الى من ينومهم بحكايات الجدات، حتى لا تباغتهم الكوابيس.
وبهذه الصورة البئيسة، تحاول الداخلية تقديم الصحافة إلى الرأي العام، وإظهار مهنييها في هيأة أشخاص عديمي الأهلية، وقاصرين ملزمين بأخذ الإذن من أولياء أمورهم، قبل تخطي عتبة الباب، أو محكوم عليهم في حالة سراح، يمنع عليهم التحرك إلا بتصريح من أقرب مخفر للسلطة.
فمهما كانت النوايا التي كتب بها بلاغ الداخلية باستثناء صحافيي الجرائد الورقية والأسبوعيات والمجلات والمطبوعات والمواقع الإلكترونية من العمل في الفترات الليلية من رمضان، فإن مدبج البلاغ ارتكب زلة لا تغتفر، وحين حاول إصلاحها، تحت ضغط بلاغات التنديد والاستنكار، وجد من ينصحه برش مزيد من الملح لإفساد الطبق برمته.
فحين طلب وزير الداخلية من المقاولات الصحافية وضع أسماء صحافييها، الذين يرغبون في العمل في فترة حظر التجول الليلي، لدى مصالح الولايات والعمالات، كان عليه أن يطلب منها إطلاع هذه المصالح على عناوين الربورتاجات التي يود الصحافيون إنجازها والمقالات، التي سيحررونها، ولم لا زوايا التقاط الصور والأشرطة وأماكن التصوير، حتى يُضفي أكبر قدر من السريالية على بلاغ خارج التاريخ والجغرافيا والسياق.
إنه العبث في أسمى تجلياته، أن نستفيق على قرار متهور يعود بنا سنوات إلى الوراء، ويغمس من محبرة عقليات مازالت تعتبر الصحافة والصحافيين مجرد “حيط قصير” يسهل تسلقه، رغم المجهودات التي بذلها الجميع في تنظيم المهنة، ومنحها المكانة التي تليق بها، والانتباه إليها في مضامين الدستور الجديد الذي منحها مجلسا وطنيا مستقلا، هو الوحيد الذي يقرر في مصيرها ومصير العاملين فيها.
إن قرار إلحاق الصحافيين بالولايات والعمالات وتقييد تحركاتهم بإذن إداري، لا يضع المجلس الوطني للصحافة وقوانينه وهياكله والبطائق المهنية التي تصدر عنه موضع تشكيك، فحسب، بل يشكك أساسا في مرحلة برمتها، كان من أهم سماتها إنهاء خرافة وزارة الداخلية والإعلام، قبل أن نجد من يعيد التاريخ إلى سيرته الأولى، لكن بشكل أسوأ هذه المرة.
بل أسوأ من كل الأوقات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق